تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
نقل مقال : قال بعض العلماء : « اعلم : أنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى ، فكان هذا يقضى أن يكون معرفته أوّل المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول ، ويرى الأمر بالضدّ من ذلك ، فلا بدّ من بيان السبب فيه . وإنّما قلنا : إنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى ، بمعنى لا يفهمه إلّا بمثال ؛ وهو أنّا إذا رأينا إنساناً يكتب أو يخيط مثلًا كان كونه حياً من أظهر الموجودات ، فحياته وعلمه وقدرته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة كشهوته وغضبه وخلقه ومرضه ، وكلّ ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشكّ فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته ، أمّا حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيواناً فإنّه جلى عندنا من غير أن يتعلّق حسّ البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإنّ هذه الصفات لاتحسّ بشئ من الحواسّ الخمس ، ثمّ لا يمكن أن يعرف حياته وقدرته وإرادته إلّا بخياطته وحركته . فلو نظرنا إلى كلّ ما في العالم سواه لم‌نعرف به صفاته ، فما عليه إلّا دليل واحد وهو مع ذلك جلى واضح ؛ ووجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كلّ ما نشاهده وندركه بالحواسّ الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ( « 1 » ) ونبات وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبرّ وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض ؛ بل أوّل شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأصنافنا وتقلّب أحوالنا وتغير قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا . وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ، ثمّ محسوساتنا بالحواسّ الخمس ، ثمّ مدركاتنا
هامش
( 1 ) - المدر : الطين اللزج الّذي لا يخالطه رمل .