فأمر به إلى الحبس .
فأتاه الساعديّ - وكان طبيبا - فلمّا نظر إليه قال له : اختر إحدى الخصلتين : إمّا أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف ، وإمّا أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها ، لأنّ ضربتك مسمومة .
فقال معاوية : أمّا النار فلا صبر لي عليها ، وأمّا انقطاع الولد فإنّ في يزيد وعبد اللّه ما تقربّه عيني فسقاه الشربة فبريء ولم يولد له بعدها .
وأمّا ابن ملجم - لعنه اللّه - فانهّ سار حتّى دخل الكوفة ، واجتاز على الجامع ، وكان أمير المؤمنين - عليه السّلام - جالسا على باب كندة ، فلم يدخله ولم يسلّم عليه ، وكان إلى جانبه الحسن والحسين - عليهما السلام - ومعه جماعة من أصحابه . فلمّا نظروا إلى ابن ملجم وعبوره قالوا : ألا ترى إلى ابن ملجم عبر ولم يسلّم عليك قال : دعوه فإنّ له شأنا من الشأن ، واللّه ليخضبنّ هذه من هذه - وأشار إلى لحيته وهامته - ثمّ قال :
ما من الموت لانسان نجاء * كلّ امريء لا بدّ يأتيه الفناء
تبارك اللّه وسبحانه * لكلّ شيء مدّة وانتهاء
يقدّر الانسان في نفسه * أمرا ويأتيه عليه القضاء
لا تأمننّ الدهر في أهله * لكلّ عيش آخر وانقضاء
بينا ترى الانسان في غبطة * يمسي وقد حلّ عليه القضاء
ثمّ جعل يطيل النظر إليه حتّى غاب عن عينه ، وأطرق إلى الأرض يقول : إنّا للهّ وإنّا إليه راجعون ولا حول ولا قوّة إلّا باللهّ العليّ العظيم .
قال : وسار ابن ملجم حتّى وصل إلى دار قطام ، وكانت قد أيست من رجوعه إليها ، وعرضت نفسها على بني عمّها وعشيرتها وشرطت عليهم قتل أمير المؤمنين - عليه السلام - فلم يقدم أحد على ذلك ، فلمّا طرق الباب قالت : من الطارق قال : أنا عبد الرحمن ففرحت قطام به وخرجت إليه واعتنقته وأدخلته دارها ، وفرشت له فرش الديباج وأحضرت له الطعام والمدام ، فأكل وشرب حتّى سكر ، وسألته عن