تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤

التفاوت الخلق إلى اللّه وتذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه . الثاني أنّ الأحكام النجوميّة إخبارات عن أمور ، وهي تشبه الاطلاع على الأمور الغيبّية ، وأكثر الخلق من العوام أو النساء والصبيان لا يميّزون بينها وبين علم الغيب والإخبار به ، فكان تعلّم تلك الأحكام والحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق وموهنا لاعتقاداتهم في المعجزات ، إذ الإخبار عن الكائنات منها ، وكذا في عظمة بارئهم ويشككهم في عموم صدق قوله - تعالى - : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللّهُ ( 260 ) [ وقوله - تعالى - : ] وَعنِدْهَُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلّا هُوَ ( 261 ) وقوله [ - تعالى - : ] إِنَّ اللّهَ عنِدْهَُ عِلْمُ السّاعَةِ - الآية ( 262 ) . فالمنجّم إذا حكم لنفسه بأنهّ يصيب كذا فقد ادّعى أنّ نفسه تعلم ما تكسب غدا وبأي أرض تموت ، وذلك عين التكذيب للقرآن وكأنّ هذين الوجهين هما المقتضيان لتحريم الكهانة والسحر والعزائم ونحوها . وأمّا مطابقة لسان الشريعة للعقل في تكذيب هذه الأحكام فبيانها أنّ أهل النظر إمّا متكلّمون فإمّا معتزلة أو أشعريّة . أما المعتزلة فاعتمادهم في تكذيب المنجّم على أحد الأمرين : أحدهما أنّ الشريعة كذبّته وعندهم أنّ كلّ حكم شرعي فيشتمل على وجه عقليّ وإن لم يعلم عين ذلك الوجه ، والثاني مناقشة في ضبطه لأسباب ما أخبر عنه من كون أو فساد . وأمّا الأشعريّة فهم وإن قالوا لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه - تعالى - وزعم بعضهم أنّهم خلصوا بذلك من إسناد التأثيرات إلى الكواكب ، إلّا أنهّ لا مانع على مذهبهم أن يجعل اللّه - تعالى - اتّصال نجم بنجم أو حركته علامة على كون كائن أو فساده ، وذلك ممّا لا يبطل على المنجّم قاعدة ، فيرجعون أيضا إلى بيان عدم إحاطته بأسباب كون ما أخبر عنه ومناقشته في ذلك . وأمّا الحكماء فاعلم أنهّ قد ثبت في أصولهم أنّ كلّ كائن فاسد في هذا العالم فلا بدّ له من أسباب أربعة : فاعلي ومادّيّ وصوريّ وغائيّ . أمّا السبب الفاعليّ القريب فالحركات السماويّة والّذي هو أسبق منها فالمحرّك لها إلى أن ينتهي إلى الجود

هامش
( 260 ) - النمل : 65 .
( 261 ) - الأنعام : 59 .
( 262 ) - لقمان : 34 .