ويمكن أن يفسّر أنهّ أراد بالفطرة العصمة ، وإنهّ منذولد لم يواقع قبيحا ولا كان كافرا طرفة عين ، ولا مخطئا ولا غالطا في شيء من الأشياء المتعلّقة بالدين وهذا تفسير الإماميّة ( 217 ) انتهى كلامه . وأقول : الأخبار في البراءة من طرق الخاصّة والعامّة مختلفة ، والأظهر في الجمع بينها أن يقال بجواز التكلّم بها عند الضرورة الشديدة وجواز الامتناع عنه وتحمّل ما تترتّب عليه ، وأمّا أنّ أيّهما أولى ففيه إشكال ، بل لا يبعد القول بذلك في السبّ أيضا . وذهب إلى ما ذكرناه في البراءة جماعة من علمائنا . وأمّا ما نسبه ابن أبي الحديد إليهم جميعا من تحريم القول بالبراءة فلعلهّ اشتبه عليه ما ذكروه من تحريم الحلف بالبراءة اختيارا ، فإنّهم قطعوا بتحريم ذلك وإن كان صادقا ، ولا تعلّق له بأحكام المضطرّ . وقال الشيخ الشهيد في قواعده : التقيّة تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة ، فالواجب إذا علم أوظنّ نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين ، والمستحبّ إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا ويتوهّم ضررا آجلا أو ضررا سهلا ، أو كان تقيّة في المستحبّ كالترتيب في تسبيح الزهراء - عليها السلام - وترك بعض فصول الأذان ، والمكروه التقيّة في المستحبّ حيث لا ضررعا جلا ولا آجلا ، ويخاف منه الالتباس على عوامّ المذهب . والحرام التقيّة حيث يؤمن الضرر عاجلا وآجلا أو في قتل مسلم ، قال أبو جعفر - عليه السلام - : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدماء فإذا بلغ الدم فلا تقيّة » . والمباح لتقيّة في بعض المباحات الّتي رجّحها العامّة ( 218 ) ولا يصل بتركها ضرر . ( 219 ) ثم قال - رحمه اللّه - : التقيّة يبيح كلّ شيء حتّى إظهار كلمة الكفر ، ولو تركها حينئذ أثم إلّا في هذا المقام ومقام التبرّي من أهل البيت - عليهم السلام - فإنهّ لا يأثم بتركها بل صبره إمّا مباح أو مستحبّ ، وخصوصا إذا كان ممّن يقتدى به . ( 220 )
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 182
مساهمون: علي أنصاريان
ص١٨٢
هامش
( 217 ) - شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 4 ، ص 106 - 116 ، ط بيروت .
( 218 ) - في المصدر : يرجّحها العامّة وفي ( م ) و ( د ) : ريّجها العامّة .
( 219 ) - في المصدر : ولا يصير تركها ضررا .
( 220 ) - القواعد والفوائد ، ص 261 .