والمصلح التاريخي ، والنبي المتعرّض للغيب ، فيوفّي كلّ حقيقة حقّها على النحو الباهر ، مع الاستقامة في المسلك ، والاطّراد في المجرى ، والانسجام في البيان .
وعلموا أنّه لا يجدي في المعارضة خيالياتهم في الغزل والنسيب ، والمدح والحماسة ، بل لابدّ أن يخوضوا في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضاً ابتدائياً ، لا اتّباعاً تقليدياً .
فأقعدهم عرفانهم لذلك مقعد العجز ، وأوقفهم موقف الحيرة ، فاحتملوا ما احتملوا من البلاء ، إذ لم يجدوا لما دعاهم إليه من النصفة سبيلًا ، فبان منهم العجز عن ذلك ، وظهر عند القاصي والداني إعجاز القرآن ، وأنّه خارج عن طوق البشر .
ولو كان من ذلك شيء يرضونه أو يتوهّمون لياقته للحجّة ورواجه في سوق المحاكمة لرفعوه علماً للاحتجاج ، وأنطقوه مستصرخاً للانتصار ، وصارخاً في الأقطار بالظليمة ، وداعياً إلى المحاكمة ، وللهجت به الأندية « 1 » ، وعجّت بنشيده أسواق العرب ، وسارت به الركبان ، ودوّنت به الدفاتر ، وتعنونت باسمه الحروب والمنافرات ، ولكثر له الأعوان والمحامون « 2 » والمدّعون ، ولضجّت به اليهود والنصارى في جزيرة العرب وفلسطين وسوريا ، فكان لهم أشهى حديث يؤثر وأجلّ سيرة تسجّل ، ولكان أقرّ لعيونهم في التاريخ من أحاديث شمشون « 3 » ومجلّة استير « 4 »
هامش
( 1 ) الأندية : جمع النادي ، بمعنى المجلس
( 2 ) المحامي : هو الوكيل في المحاكمة
( 3 ) هو الإصحاح ( الفصل ) الرابع عشر من سفر القضاة من العهد القديم الذي ينسبه اليهود والنصارى إلى الإلهام
( 4 ) استير : أحد أسفار العهد القديم ، استعير له اسم المجلّة مشابهةً