لطاغوتهم في جميع شؤونهم ، وكانوا هم أهل السلطة والصولة ، والاقتدار والثروة وأهل اللسان ، الراقين في الفصاحة والبلاغة ، فاحتجّ القرآن ونبيّه بجلالة مقامه بحيث يعجزون عن معارضته والإتيان بمثله .
وكم تحدّاهم « 1 » في ذلك بطلب المعارضة تعجيزاً ، فلمّا عجزوا تنازل في تعجيزهم إلى « عشر سور من مثله » « 2 » فلمّا عجزوا تنازل معهم إلى الإتيان « بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » « 3 » وقد كان لهم بالمعارضة أحسن مندوحة تقوم لهم بها الحجّة وتظهر الغلبة ، ويخلد لهم الذكر ، ويسمو الشرف ، ويستريحون إليها من مقاساة أهوال الحروب التي طحنتهم ، ومعاناة « 4 » هوان الأسر ، وصغار المغلوبية ، وذلّة الانحطاط من جبروتهم ، والتنازل عن ضلالهم وعوائدهم .
لكنّهم يعرفون - لا كغيرهم - أنّ الذي يُفتخر به ويتنافس فيه من ارتفاع قدر الكلام وبلاغته إنّما يكون بمقدار مطابقته لمقتضى الحال الذي يتكلّم فيه ، وجريانه على الوجوه اللازمة في ذلك ، لا بمجرّد تزويق « 5 » الألفاظ وتحوير العبارات ، وقد وجدوا القرآن الكريم يعطي كلّ مقام حقّه من المطابقة لحقيقته ومناسباتها ، بحيث لم يجدوا في ذلك شبهة غميزة « 6 » مع خوضه حقّ الخوض في كلّ حقيقة يحوم حولها العارف الإلهي ، والمصلح الديني ، والمصلح السياسي ، والمصلح المدني الاجتماعي
هامش
( 1 ) تحدّاهم : نازعهم
( 2 ) اقتباس من سورة هود 11 : 13
( 3 ) البقرة 2 : 23
( 4 ) المعاناة : الملابسة والمباشرة
( 5 ) التزويق : التحسين
( 6 ) الغميزة : العيب