فكان دور التشريع في هذا الأمر دور الكشف عن الواقع المجهول عند البشريّة ، ودور خروجها عن حدّ البهائم ، وحياة الحيوانات الضارية .
ثمّ إنّه لابدّ من أن يكون في هذا التحريم مفسدة ملزمة تلحق بالأُسرة البشريّة ، وهي تريد التناكح والتناسل والمصاهرة فيما بينها بعيدة عن التلوّثات والأوضار المادّية والمفاسد الأخلاقية ، الأمر الذي لا يمكن استكناهه وكشف أسراره وكوامنه إلّابالتشريعات الإلهيّة ، التي تزامل المصالح الإنسانية العليا ، وفق أسرار الخليقة المنسجمة معها ، فيما ينبغي أن يتخالط الناس أو لا يتخالطوا .
ونظير هذا التشريع القرآني هو النهي عن نكاح ما نكح الآباء ، والجمع بين الأختين : « وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ » « 1 » « وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ » « 2 » تجويزاً لما مضى ، وتحريماً لما يأتي .
والرخصة في الإبقاء على ما مضى من هذا النكاح المحظور بعد نزول الآية الكريمة في التحريم ، دليل على ما للمشرّع من سلطة تشريعية مطلقة فيما يرى من ترخيص أو حظر في زمان دون زمان إذا كان المشرّع هو اللَّه . ولم يفعل الشارع مثل ذلك في ارتداد أحد الزوجين عن الإسلام ، أو إسلام أحدهما دون الآخر ، بل شرّع البينونة بينهما .
ومن هذا المنطلق يمكن الإجابة عن نكاح الأخوات والإخوة - إن صحّ ذلك - فيما سلف من ولد آدم ، إباحة في جيل ، وحظراً في جيل آخر . ولعلّ هناك أمراً آخر في التوالد استأثر بعلمه اللَّه ، وهو أعلم ببواطن الأمور .
منهجيّة الكتاب :
وقد اتّبع في هذا الكتاب المنهج الموضوعي الذي يتميّز بوحدة الموضوع
هامش
( 1 ) ، النساء 4 : 22 ، 23
( 2 ) النساء 4 : 22 ، 23