وأمّا الثالث : فهو أيضاً مخالف لضرورة العقل والدين ، فإنّه تعالى هو الخالق والرازق ، وأنّ له السلطنة التامّة والغناء المطلق ، وأنّ جميع مخلوقاته تحت سلطنته وقدرته ، لا يستقلّ أحد منهم في فعله ، والآيات القرآنية في حصر الخلق والرزق وغيرهما من شؤون المخلوقات في كونها للَّهتعالى وحده كثيرة ، لا حاجة إلى ذكرها في المقام .
فإذا أمعنت النظر في جميع ما قلناه من أوّل البحث إلى هنا تعرف أنّ ما استدلّوا به لإثبات اضطرار العباد إلى أفعالهم إمّا ناشئ من الخلط في مقدّمات الاستدلال ، أو الغرور بالاصطلاح البحت أو تقليد الماضين ، وغيرها ممّا لا يرجع إلى شيء محصّل .
وقد عرفت أيضاً بطلان استقلال العبد في شؤونه وأفعاله ، فلا مناص من الالتزام بما ذهبت إليه الإمامية من الأمر بين الأمرين ، فإنّه الذي يحكم به الوجدان والأدلّة العقلية ، وقد نطقت به الآيات القرآنية والروايات المأثورة عن أهل البيت ( سلام اللَّه عليهم ) كما سنذكر بعضها عن قريب إن شاء اللَّه تعالى « 1 » .
هذا تمام الكلام في الأدلّة العقلية للمذاهب في الأفعال والنظر فيها . ونشرع الآن في الأدلّة النقلية من الآيات والروايات ، مستعينين باللَّه الحكيم العدل .
في تقسيم الآيات الدالّة على الاختيار
اعلم أنّ الآيات
التي يمكن أن يستفاد منها الاختيار على أقسام خمسة :
الأوّل : ما يكون منها في قوّة التصريح بالاختيار .
الثاني : ما يدلّ منها على كون بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما هما لإتمام
هامش
( 1 ) في ص 94