وراءه شيء من الحقيقة ، وأنّ الاصطلاح يمحوه الاصطلاح ، والحقائق باقية على حالها لم تزل ولا تزال « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » .
في بيان كيفية صدور الأفعال عند المتأخّرين من الفلاسفة
ولمّا تمّ الكلام في بيانات القدماء من الفلاسفة شرعنا فيما ذهب إليه المتأخّرون منهم ، أعني بهم من قارب عصورنا المتأخّرة .
وقد بنى بعضهم هذه المسألة - الجبر والاختيار - على المذهبين المعروفين :
مذهب العلّية العامّة ومذهب الغاية ، ولمّا كان بيان الابتناء يتوقّف على معرفة حقيقة المذهبين لم نر بُدّاً من تقديم مقدّمة في توضيحهما ، فنقول :
إنّ معنى مذهب العلّية العامّة هو اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث يتّصل بعضها ببعض اتّصالًا علّياً بحتاً ، لا دخل لاختيار الإنسان فيه ، وأنّ كلّ ما يحدث من الحوادث قد قدّر أزلًا واحصي عدداً ، كما لو كان نتيجة لعملية حسابية عظمى قام بها عقل محاسب .
وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من المتأخّرين ، وقد قام بالبرهنة عليه في كتاب نظام الطبيعة على ما حكاه عنه في المدخل إلى الفلسفة « 1 » .
وممّن أصرّ على هذا المذهب صاحبا كتاب الأخلاق مؤيّدة بالدليل الهندسي وكتاب العالم فإنّهما على ما حكاه عنهما صاحب قصّة الفلسفة الحديثة يقولان - والعبارة لصاحب كتاب العالم - : إنّ اللَّه قد دفع العالم دفعة واحدة منذ البداية كانت نتيجتها كلّ هذه الحركات التي تطرأ على الأجسام المادية كائنة ما كانت
هامش
( 1 ) المدخل إلى الفلسفة : 222 - 223