مَعَكُمَا ، فَكُفَّا عَنَّا أَنْفُسَكُمَا ، وَارْجِعَا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمَا ، فَلَسْنَا عَبِيدَ مَنْ غَلَبَ ، وَلَا أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ ، فَهَمَّا بِهِ ثُمَّ كَفَّا عَنْهُ .
وَكَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ شَكَّتْ فِي مَسِيرِهَا وَتَعَاظَمَتِ الْقِتَالَ ، فَدَعَتْ كَاتِبَهَا عُبَيْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ النّمَيْرِيَّ ، فَقَالَتْ : اكْتُبْ : مِنْ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : هَذَا أَمْرٌ لَا يَجْرِي بِهِ الْقَلَمُ ، قَالَتْ : وَلِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِسْلَامِ أَوَّلٌ ، وَلَهُ بِذَلِكَ الْبَدَاءُ فِي الْكِتَابِ . فَقَالَتِ : اكْتُبْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإنّي لَسْتُ أَجْهَلُ قَرَابَتَكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ( ص ) ، وَلَا قَدَمَكَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَا عَناءك عن ( « 1 » ) رَسُولِ اللهِ ( ص ) ، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ مُصْلِحَةً بَيْنَ بَنِيَّ ، لَا أُرِيدُ حَرْبَكَ إِنْ كَفَفْتُ عَنْ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ ؛ فِي كَلَامٍ لَهَا كَثِيرٍ ، فَلَمْ أُجِبْهَا بِحَرْفٍ ، وَأَخَّرْتُ جَوَابَهَا لِقِتَالِهَا .
فَلَمَّا قَضَى اللهُ لِيَ الْحُسْنَى سِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ ، وَاسْتَخْلَفْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ ، فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ ، وَقَدِ اتَّسَقَتْ لِيَ الْوُجُوهُ كُلُّهَا إِلَّا الشّامُ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ الْحُجَّةَ ، وَأَقْضِيَ الْعُذْرَ ، وَأَخَذْتُ بِقَوْلِ اللهِ :
« وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ » ؛
( « 2 » ) فَبَعَثْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ مُعْذِراً إِلَيْهِ ، مُتَّخِذاً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ كِتَابِي ، وَجَحَدَ حَقِّي ، وَدَفَعَ بَيْعَتِي ، وَبَعَثَ إِلَيَّ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ ، فَبَعَثْتُ إلَيْهِ : مَا أَنْتَ ! وَقَتَلَةُ عُثْمَانَ أَوْلَادُهُ أَوْلَى بِهِ ، فَادْخُلْ أَنْتَ وَهُمْ فِي طَاعَتِي .
ثُمَّ خَاصِمُوا الْقَوْمَ لِأَحْمِلَكُمْ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ ، وَإِلَّا فَهَذِهِ خُدْعَةُ الصّبِيِّ عَنْ رَضَاعِ الملك ( « 3 » ) ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بَعَثَ إِلَيَّ أَنِ اجْعَلِ الشّامَ لِي حَيَاتَكَ ، فَإنْ حَدَثَ بِكَ
حَادِثَةٌ عَنِ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيَّ طَاعَةٌ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَخْلَعَ طَاعَتِي مِنْ عُنُقِهِ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ .
هامش
( 1 ) - في أكثر المصادر : غَناك عنه ؛ والعَناء : الخضوع .
( 2 ) - الأنفال : 58 .
( 3 ) - في المصدر : المليّ ، وفي د : الملأ .