القبس العاشر فيه حقّ القول الفصل في سرّ القضاء والقدر ، وكيفيّة دخول الشرّ في القضاء الالهىّ ، ومرّ الحقّ في الدعاء والإجابة ، وعود الامر اليه سبحانه ، في المبدأ والمنتهى .
ومضة
أليس من المعلوم ، انّ أحد النقيضين ليس يصحّ ان يجب ، الّا إذا امتنع النقيض الآخر بجميع انحائه وضروبه بتّة ؟ وقد كنت تحقّقت في القبسات السابقة ، انّ المعلول ما لم يجب تقرّره ووجوده من تلقاء علّته الفاعلة ، لم يصدر عنها . فإذا كانت علّته الفاعلة لذاته ووجوده ، جوهر ذاتها ممكنا مّا من الممكنات ، اىّ ممكن كان ، نفسا أو عقلا أو غيرهما ، كان عدمه بما هو هو ممكنا بالذات لا محالة ، ومن انحاء عدم المعلول انتفاؤه بانتفاء علّته . ويمتنع بالذات ان يجعل الشئ انتفاءه الممكن ، بالنظر إلى جوهر ذاته ، ممتنعا في نفس الامر . فاذن ، انتفاء المعلول بانتفاء علّته ، لا يتصوّر ان يصير ممتنعا ، بالنظر إلى نفس ذات العلّة ، إذا كانت هي جايزة الذات ، إذ يكون انتفاؤها ممكنا بالنظر إلى نفس ذاتها حينئذ لا محالة . فكيف يتصحّح ان يصير انتفاء معلولها من جهة انتفائها ، ممتنعا من تلقائها ، بحسب جوهر ذاتها ؟ وما لم يمتنع للمعلول هذا النحو أيضا من العدم ، لم يتصحّح له وجوب الوجود في نفس الامر بالضرورة . فاذن ، لا يصحّ ان يكون وجوب وجود المعلول في متن الواقع منبعثا من جوهر ذات علّته الفاعلة ، الّا إذا ما كانت علّته الفاعلة موجودا واجبا بالذات ، متقدسا عن جميع انحاء الكثرة ، قبل الذات ومع الذات وبعد الذات ، متعاليا عن سبب به وسبب له وسبب منه وسبب عنه وسبب فيه . وبالجملة ، عن كلّ سبب . وهو مسبّب الأسباب على الاطلاق من غير سبب ، ومنه ينبجس وجوب وجود المعلول ،