الواقع ، على ما قد استبان لك بالتبيانات البرهانيّة والحجج اليقينيّة .
ولعلّ هذه الحكومة الحاكمة بالفصل ، هي ما رامه في كتاب المبدأ والمعاد ، حيث قال : فصل في انّه يلزم على وضع هؤلاء المعطّلة ان يكون اللّه سبحانه سابق الزمان والحركة بزمان . ثمّ قال : ولنقل الان قولا جدليّا ، إذا استقصى ، يمكن ان يردّ إلى البرهان في انّ المعطّلة يلزمهم ان يضعوا وقتا قبل وقت بلا نهاية ، وزمانا ممتدّا في الماضي بلا نهاية ، انّ هؤلاء المعطّلة الّذين عطّلوا اللّه عن جوده ، لا يخلوا ما ان يسلّموا انّ اللّه تعالى كان قادرا ، قبل ان يخلق الخلق ، على أن يخلق جسما ، إلى اخر ما قاله ، مثل قوله في الشفاء .
وكذلك ما أورده في كتاب النجاة ، بقوله في ترجمة الفصل المعقود لهذا البيان : فصل في انّ المخالفين يلزمهم ان يضعوا وقتا قبل وقت بلا نهاية ، وزمانا ممتدّا في الماضي بلا نهاية .
وهو بيان جدلىّ ، إذا استقصى ، قاد إلى البرهان ، فليتثبّت ولا يتخبّط .
وميض
ومن طرق المحاجّة في قدم العالم ، ما أورده في حادي عشر ثالثة طبيعيّات الشفاء .
قال : فلننظر انّه هل يمكن ان تبتدئ الحركة من وقت ما من الزمان لم يكن له قبل ، أم الحركة ابداعيّة ، وكلّ طرف من الزمان ، فله قبل . وانّ ذات البارئ تعالى ، هو قبل كلّ شئ . فنقول : انّ كلّ معدوم ، فانّه قبل وجوده جائز الوجود .
فجواز وجوده موجود قبل وجوده . فانّه لو لم يكن موجودا انّه جائز الوجود ، كان معدوما انّه جائز الوجود ، وكان ليس بجائز الوجود ، فكان ممتنع الوجود . فجواز الوجود موجود قبل الوجود ، وجواز الوجود الموجود امر محصّل لا محالة ، ليس هو نفس العدم .
فكم من معدوم غير جائز الوجود ، فهو امّا جوهر قائم بنفسه ، وامّا امر هو موجود في شئ .
ولو كان امرا قائما بنفسه ، لا في محلّ ولا في موضوع ، لكان من حيث هو كذلك ، هو غير مضاف ، لكنّه من حيث هو جواز وجود ، هو مضاف إلى شئ ومعقول بالقياس .
ثمّ استنتج من ذلك وجود المادّة الحاملة لجواز وجود الحادث قبل حدوثه ، ووجود الحركة المبعّدة والمقرّبة ايّاه من العلّة الفاعلة المفيضة للذات والمعطية للوجود ،