فلئن قلت : كيف حكمتم على جملة البراهين انّها جميعا على هذا السبيل ، والّذي يستبين من برهاني الحيثيّات والتضايف انّ حكمهما بالإحالة منسحب الذيل على سلسلتي التصاعد والتنازل ، سواء من غير فرق ؟ قلت لك : اما تحققت انّ ميزان الحكم بالإحالة ، بحسب اىّ برهان أقيم ، هو استجماع شرطي الترتّب والاجتماع في الوجود بالفعل في جهة اللا نهاية ؟ فمعيار الفرق ، اذن ، ينصرح بتامّل غاير . أليست العلل والمعلولات المجتمعة في الوجود ، انّما تكون مترتّبة بحسب المرتبة العقليّة لنفس الذات بما هي الذات ، لا بحسب الوقوع في متن الخارج ، إذ ليس لها في حاقّ الأعيان الّا المعيّة الصرفة .
فاذن ، نقول : في صورة التصاعد ، تكون العلل المترتّبة المتصاعدة إلى لا نهاية ، مجتمعة الحصول بأسرها ، لا محالة ، في مرتبة ذات المعلول الأخير ، فيكون الترتّب والاجتماع في الوجود جميعا في جهة اللّانهاية . فامّا في صورة التنازل ، فالمعلولات المترتّبة لا تكون متحقّقة في مرتبة ذات العلّة . أليس المعلول لا يتصحّح له الوجود في مرتبة ذات العلّة ، على خلاف الامر في العلّة ؟ فانّها واجبة الوجود في مرتبة ذات المعلول بتّة .
فاذن ، ليس يتحقّق شئ من المعلولات في مرتبة ذات شئ من العلل ، فضلا عن تحقّق المعلولات الغير المتناهية في مرتبة ذات العلّة . فاذن ، في المعلولات المترتّبة إلى لا نهاية ، تكون اللا نهاية في جهة ، هي جهة التّرامى والتّنازل ، والترتّب والاجتماع في الوجود بالفعل في جهة أخرى ، خلاف تلك الجهة ، وهي جهة التراقى والتصاعد . فليتبصّر . وهناك ضروب من وجوه الفرق ، أوردناها في كتاب التصحيحات والتقويمات ، وهو كتاب تقويم الايمان .
وميض
انّ المتكلّفين لما لا يعنيهم ، من جماهير المتكلّمين ومن اتباع المتفلسفين ، تذهب أوهامهم وظنونهم إلى انّ تناهى مقدار اتّصال الحركة وامتداد الزمان وتناهى عدد الحوادث الزمانيّة المتعاقبة في جانب الماضي ، في قوّة اثبات الحدوث ونفى الازليّة .
ولا يستشعرون انّ شيئا من النهاية واللا نهاية في الكميّة المتّصلة أو المنفصلة ، لا حظّ له