بالذات ، كما وجودها ووجوبها به . وتشخّص الشيء هو نحو وجوده الّذي يخصّه ، فايضا عن مبدعة . فإن كان من الأنوار المفارقة ، كان جوهر حقيقته ، بحسب جوازه الذاتىّ ، صالحا لقبول الوجود والتشخّص من فيض جاعله . ففاعله الفيّاض بذاته يفعل ماهيّته وشخصيّته .
وان كان ممّا كونه للمادّة ، فتهيّؤه للقبول بحسب ما يستأنف لمادّته من الاستعداد .
وان فتشت عن كنه المسألة ، فالإنسان الكبير ، وهو النظام الجملىّ لعالم الامكان ، حيث انّه بشخصيّته الّتي هو عليها أكمل النظامات الممكنة ، ومن الممتنع بالذات نظام آخر فوقه أو في رتبته ، بحسب الكمال ، فعناية البارئ الجواد ، عزّ اسمه ، وهي الطبيعة الكلّيّة المدبّرة الحافظة لنظام الكلّ ، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم التامّ بمجده وعزّه وفضله ورحمته ، وفوق التمام ، قد أوجبت ان يختاره ويريده ويفعله ويفيضه بذاته الفعّالة الفياضة وحكمته التامّة البالغة . فاذن ، النظام الجملىّ الواقع بنفسه لا بتوسّط شيء ما ، ولا بمدخليّة امر ما خارج عنه ، وراء ذات اللّه سبحانه ، إذ لا خارج عنه أصلا ، مرتبط بالمبدع الحقّ ، وهو سبحانه بنفس ذاته مبدعة وصانعه ومفيضه وفاعله . فالنظام الوحدانىّ الجملىّ مرتبط بوحدته وهويّته بالواحد الحقّ المتشخّص بذاته ، ومتعيّن الصدور عنه . فهو لا محالة موجود شخصىّ بالذات ، ونحو وجوده ، فائضا عنه سبحانه ، هو حقيقة تشخّصه ومبدأ شخصيّته ، وامّا كلّ جزء من اجزاء نظام الكلّ ، من المفارقات والهيولانيّات ، فانّما يتشخّص بالصدور عن جاعله جزءا من النظام الجملىّ الواحد بالشخص ، إذ ليس يتصوّر جزء الشيء الشخصىّ المتميّز عن سائر اجزائه في الوجود ، بما هو جزؤه الخاصّ المتميّز ، الّا شخصيّا ، والعناية تقصد النظام على القصد الاوّل والاجزاء من حيث هي اجزاؤه .
فاذن ، الأشياء إذا انبسطت وتفاصلت في لحاظ العقل ، وبانت عن المبدأ الاوّل ، صحّ تعليق البعض بالبعض ، فيقال في بادي اللحظ : هذا من ذاك ، ولا جل ذلك ، ابتداء بلا واسطة ، وان انتهى الاستناد في السلسلة الطوليّة اليه سبحانه أخيرا بالضرورة البرهانيّة .
وامّا إذ لوحظت جملتها ، بحسب النظام المتّسق الواحد الجملىّ ، فليس هناك الّا موجود واحد بالنّظام ، متكثّر بالتأليف ، مستند بجميع اجزائه في السلسلة العرضيّة إلى الجاعل الفياض سبحانه ،
القبسات — صفحة 198
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص١٩٨