والقبليّة والبعديّة بالذات ، والوجودات والعدمات بحسب المقارنة لها ، توصف بالقبليّة والبعديّة أو المعيّة . وبعبارة أخرى ، ملاحظة حال الأشياء الّتي قبلنا من الحسّيّات ، تعطى الحكم اليقينىّ بالضرورة انّ هناك ، بحسب ظرف الأعيان ، قبليّات وبعديّات ومعيّات مترتّبة على الشدّة ، فانّ قبلا يكون اشدّ قبليّة من قبل ، ومعيّة أطول تماديا من معيّة ، وليس يتصحّح ذلك عند العقل ، الّا إذا ما ثبت انّ في الأعيان كميّة متّصلة موجودة لا على قرار الذات ، لاجزائها القبليّات والبعديّات بالذات ، ولما عداها من سائر المتغيّرات ، بحسب الاختصاص بها بالمقارنة الانطباقيّة في الوجود بتّة ، إذ الأمور المتفاصلة في الوجود ، إذا لوحظت وجوداتها بما هي هي ، فهي بحسب أنفسها لا تقتضى ولا تأبى القبليّة أو البعديّة ، والمعيّة أو اللّامعيّة ، والتقدّر أو اللاتقدّر . فتلك الكمّيّة المتّصلة هي الّتي نسمّيها « الزمان » و « المدّة » . فليعرف .
ومضة
وانّ في هذا المسلك تبيانا مستقيما من سبيل اخر . وهو انّ الحوادث المتغيّرة المتعاقبة ، متخصّصة بأوقاتها المتسابقة المتلاحقة ، والفعّال المختار الّذي هو فاعل الذوات ، ومبدع الحقائق وواهب الصور ، وجاعل الوجودات ، حكيم في موجوده مريد بحكمته ، متعالي المجد عن مصنوعاته ، مستوى النسبة إلى مجعولاته ، ممتنع التغيّر في ذاته وصفاته ، واجب الفعليّة ، سرمدىّ الوجوب من جميع جهاته . ومن المستحيل ان يرجّح الحكيم المختار أحد الامرين المتساوين من كلّ جهة بمحض ارادته ، لا بمرجّح ما يستوجب منه التخصيص ، ومخصّص ما يستحقّ منه الترجيح . والّا ، استلزم ان يترجّح تعلّق الإرادة أو تعلّقاتها الغير المتناهية في اللحاظ الاجمالي ، لا بمرجّح ، ويتخصّص بأحد الطرفين المتساوين ، لا بمخصّص ، فيكون الترجيح بلا مرجّح ، مستلزما للترجّح لا بمرجّح في تعلقات الإرادة . وذلك امر فطرىّ البطلان واجماعىّ الاستحالة . فاذن ، ليس يستتبّ تعاقب الحوادث المترتّبة ، الّا حيثما تكون في الوجود أسباب متعاقبة ، تهيّئ المادّة للتغيّرات