تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
فالصحيح انّ اللّه سبحانه أوجد الأشياء وأحدثها لا من شئ ، لا انّه أوجدها وأحدثها من لا شئ أو من شئ ، فإذا قيل : هل الخالق خلق الأشياء من شئ أو من لا شئ ؟ لم يستحقّ الجواب . بل كان الحقّ سلب طرفي السؤال جميعا واختيار قسم اخر ثالث ، هو انّه خلقها لا من شئ . ويجب ان لا يستراب في انّه لا يعنى « بالعدم » و « اللاشىء » الّا الليس الصرف والانتفاء المحض ، اى انّه لا شئ هناك أصلا ، لا انّ هناك شيئا ما يعبّر عنه بالانتفاء وب « اللاشىء » ، فاذن ، قولهم « من لا شئ » قول متهافت متناقض . وانّما الصحيح « لا من شئ » . ثمّ يجب ان يعلم انّ هذا الحكم على الاستيعاب لكلّ حادث ، انّما يستتبّ في الحدوث الدهرىّ . فالله سبحانه أوجد الأشياء وأحدثها بأسرها في الدهر ، لا عن مادّة ولا من شئ أصلا ، على ما قد أسلفنا القول الفصل فيه . فامّا الحدوث الزمانىّ ، وان هو الّا اختصاص وجود الشئ الزمانىّ بزمانه الّذي هو فيه ، لا وجوده بعد عدمه الصريح في متن الواقع ، فهو لا يكون الّا بايجاد اللّه سبحانه ايّاه في زمانه الّذي هو فيه ، عن مادّة موجودة في الزمان القبل لا محالة ، وامكان استعدادىّ يقوم بالمادة السابقة الزمانيّة . والبارئ تعالى اخترع المادّة وذا المادة جميعا في الدهر ، لا عن مادّة ولا من شئ ، بل بعد العدم الصريح ، لا بزمان ولا بمكان أصلا . فليتبصّر . ثمّ قال شيخنا أبو جعفر الكلينىّ : فسرّ أمير المؤمنين ، عليه السّلام ، بقوله « ليست له صفة تنال ولا حدّ تضرب له فيه الأمثال » انّه سبحانه واحد بلا كيفيّة ، وانّ القلوب تعرفه بلا تصوير ولا إحاطة . وكذا قوله ، عليه السّلام ، « الّذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن » ، ثمّ قوله عليه السّلام ، « لم يحلل في الأشياء ، فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها ، فيقال هو منها بائن » ، فنفى ، عليه السّلام ، بهاتين الكلمتين صفة الاعراض والأجسام ، لانّ من صفة الأجسام التباعد والمباينة ، ومن صفة الاعراض الكون في الأجسام بالحلول ، على غير مماسّة ومباينة الأجسام على تراخى المسافة . ثمّ قال ، عليه السّلام ، « لكن أحاط بها علمه واتقنها صنعه » ، اى هو في الأشياء بالإحاطة والتدبير ، وعلى غير ملامسة .
القبسات — صفحة 134 | السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )