جليل ما اجلّه ، وعزيز ما اعزّه ، وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
قال أبو جعفر الكلينىّ ، نوّر اللّه مرقده : وهذه الخطبة من مشهورات خطبه ، عليه السّلام ، حتّى لقد ابتذلها العامّة ، وهي كافية لمن طلب علم التوحيد ، إذا تدبّرها وفهم ما فيها . فلو اجتمع ألسنة الجنّ والانس ليس فيها لسان نبىّ ، على أن يثبتوا التوحيد ، بمثل ما اتى به . بابى وامّى ، صلّى اللّه عليه وآله ، ما قدروا عليه ، ولولا ابانته ، عليه السّلام ، ما علم النّاس كيف يسلكون سبيل التوحيد . الا ترون إلى قوله ، عليه السّلام ، « لا من شئ كان ، ولا من شئ خلق ما كان » ؟ فنفى بقوله « لا من شئ كان » معنى الحدوث ؛ وكيف أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ومثال ، نفيا لقول من قال انّ الأشياء كلّها محدثه بعضها من بعض ، وابطالا لقول الثنويّة الّذين زعموا انّه لا يحدث شيئا الّا من أصل ، ولا يدبّر الا باحتذاء مثال . فدفع عليه السّلام ، بقوله « لا من شئ خلق ما كان » جميع حجج الثنويّة وشبههم ، لانّ أكثر ما يعتمد الثنويّة في حدث العالم ان يقولوا : لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شئ أو من لا شئ . فقولهم « من شئ » خطأ ، وقولهم « من لا شئ » مناقضة وإحالة ، لانّ « من » توجب شيئا و « لا شئ » ينفيه . فأخرج أمير المؤمنين ، عليه السّلام ، هذه اللفظة على أبلغ الالفاظ واصحّها .
فقال ، عليه السّلام ، « لا من شئ خلق ما كان » فنفى « من » ، إذ كانت توجب شيئا ، ونفى « الشئ » ، إذ كان كلّ شئ مخلوقا محدثا ، لا من أصل أحدثه الخالق ، كما قالت الثنويّة انّه خلق من أصل قديم ، فلا يكون مدبّرا الّا باحتذاء مثال . انتهى قوله .
قلت : فبيّن سيّدنا ومولانا ، صلوات اللّه عليه وتسليماته ، بلفظته الشريفة البليغة هذه ، انّ الترديد هناك غير حاصر للشقوق ، ولا مستوف للاقسام . فمن المستبين انّ نقيض « من شئ » « لا من شئ » على أن يكون السلب البسيط وأرادا على « من » قاطعا للنسبة رأسا ، لا « من لا شئ » على أن يكون السلب جزءا لمدخول « من » والربط ايجابا عدوليّا ، أو ايجاب سلب متعلّق المحمول ، على ما قد تحقّق في الحكمة الميزانيّة ، إذ قد اقترّ في مقارة انّ نقيض كلّ شئ رفعه ، ولا مناقضة بين موجبين أصلا .
القبسات — صفحة 133
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص١٣٣