لست أقول : بلوازم حقيقته وبعوارض ذاته . والّا ، لم تكن ماهيّته هي بعينها انّيّته .
فليس يسوغ ان يقال انّه طبيعة مرسلة ، ولا انّه شخصىّ بعينه من طبيعة مرسلة ومن لوازم مخصّصة مشخّصة ، بل انّة بنفس ذاته ينفرد ويمتاز عن كلّ شئ هو غير ذاته . ويمتنع أن تكون حقيقته لغير هويّته الواحدة . ولا يوصف بأنّه كلّىّ وطبيعة مرسلة ، ولا بأنّه جزئيّ وفرد من طبيعة مرسلة . بل هو الواحد الحقّ من كلّ وجه ، والاحد المطلق من كلّ جهة . فكما ليس يصحّ ان يكون له محصّل ومشخّص بعد مرتبة ماهيّته ، لانّ التحصّل بالفعل عين مرتبة ذاته ، فكذلك ليس يتصوّر تاخّر عن مرتبة ذاته ، لا عن وجوده في متن الأعيان لانّ الوجود في متن الأعيان ، عين مرتبة ذاته وماهيّته بما هي هي . وكما ينفرد بذاته من جهة التميّز بالحقيقة عن كلّ شئ ، فكذلك ينفرد بذاته من جهة التقدّم في متن الأعيان على كلّ شئ . فلا تكوننّ من الممترين .
وميض
يا قوم ، انّى لشديد التعجّب جدّا من شريكي في الرئاسة ، ومن شريكي في التعليم ، ومن معلّم مشائيّة اليونانيّين ، ومفيدهم الصناعة ، مع اعتلاء مرتبتهم في البراعة والجلالة ، وارتفاع درجتهم في شدّة التيقّظ وتوقّد الفطانة ، كيف توغّلوا في تقرير هذه الحجّة البرهانيّة وتحقيق مقدّماتها اليقينيّة ، في تقديس الباري الاوّل جلّ ذكره . عن ماهيّة كلّيّة ، وعن أن يكون لكنه حقيقته وجود ذهنىّ في ذهن ما من الأذهان أصلا ؛ ثمّ ذهلوا عن اجرائها في حدوث العالم وتقدّم الباري الحقّ عليه ، تقدّما انفكاكيّا بالوجود في حاق الأعيان ! ثمّ التعجّب من الشريك الرئيس ومن معلّم اليونانيّين اشدّ وأكثر ، فانّهما يحكمان حكما باتّا ، في مسئلة حدوث العالم وقدمه ، انّها مسئلة جدليّة الطرفين ، لفقدان الحجج البرهانيّة في كلا طرفيها . ثمّ في مسئلة تقديس الواجب بالذات عن الماهيّة الكلّيّة ، يعوّلون على هذا البرهان الّذي هو بعينه برهان حدوث العالم لدى المتبصّر المتيقّظ ، ويكرّر ان القول في تقريره وتلخيصه وتوضيح مقدّماته وحدوده .