ولعلّ مرجع الصور إلى قسمين : من يحجر عليه لحق نفسه ، ومن يحجر عليه لحق غيره .
فالأوّل : الصبي والمجنون والسفيه ، والثاني الباقي . ثمّ الحجر إمّا عام في سائر التصرّفات ، أو خاص ببعضها ، والأوّل إمّا أن يكون ذا غاية يزول سببه فيها أو لا . والأوّل الصغر ، والثاني الجنون .
والخاص إمّا أن يكون فيه مقصوراً على مصلحة المحجور أو لا . والأوّل السفه .
والثاني إمّا أن يكون موقوفاً على حكم الحاكم أو لا ، والأوّل الفلس ، والثاني المرض ، وباقي الأسباب تعرف بالمقايسة ، والأمر في هذا سهل . إنّما الكلام في تفصيل البحث فيها ، وقد تقدّم الكلام في الرق والفلس منها .
26 / 4
( أمّا الصغير فمحجور عليه ما لم يحصل له وصفان : البلوغ والرشد ) [ 1 ] . والمراد بالأوّل الذي هو في اللغة الإدراك : بلوغ الحلم ، والوصول إلى حدّ النكاح بسبب تكوّن المني في البدن ، وتحرّك الشهوة والنزوع إلى الجماع ، وإنزال الماء الدافق الذي هو مبدأ خلق الإنسان بمقتضى الحكمة الربّانية فيه وفي غيره من الحيوان لبقاء النوع ، فهو حينئذٍ كمال طبيعي للإنسان يبقى به النسل ، ويقوى معه العقل ، وهو حال انتقال الأطفال إلى حدّ الكمال والبلوغ مبالغ النساء والرجال . ومن هنا إذا اتفق الاحتلام في الوقت المحتمل حصل به البلوغ ولم يتوقف على بيان الشارع [ 2 ] . وعلى كلّ حال فلا يخفى على من لاحظ كلماتهم أنّ من المعلوم لغة كالعرف كون الغلام متى احتلم بلغ وأدرك ، وخرج عن حدّ الطفولية ودخل في حدّ الرجولية ، وكذا الجارية إذا أدركت وأعصرت ، فإنّها تكون امرأة كغيرها من النساء . نعم يرجع إلى الشرع في مبدأ السن الذي يحصل به البلوغ مثلًا إذا حصل فيه الاشتباه . بخلاف الاحتلام والحيض والحمل ونحوها ممّا لا ريب في صدق البلوغ معها لغة وعرفاً ، ولو للتلازم بينها . أمّا الأمور المقارنة له في العادة غالباً كقوّة التمييز وغلظ الصوت وشق الغضروف ونتوّ الحنجرة ونهود الثدي ونحو ذلك فأقصاها إفادة الظن بحصوله [ 3 ] .
( و ) كيف كان فلا ريب في أنّه ( يعلم بلوغه ) أيالصغير ( بإنبات الشعر الخشن على العانة ) التي هي حول الذكر والقبل ( سواء كان مسلماً أو مشركاً ) [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل الكتاب والسنّة دالّان عليه أيضاً .
[ 2 ] فإنّ البلوغ من الأمور الطبيعية المعروفة في اللغة والعرف ، وليس من الموضوعات الشرعية التي لا تعلم إلّامن جهة الشرع كألفاظ العبادات ، بل قد ذكر أهل اللغة في ترتيب أحوال الإنسان ، وأنّ له بكلّ حال إسماً مخصوصاً في الرجال والنساء من أوّل الخلقة التي يسمّى به جنيناً إلى حال الشيخوخة في الرجال ، والقلع والطلطا في النساء .
[ 3 ] لعدم ثبوت التلازم المورث للقطع ، ولا دليل على اعتباره في المصداق ، بل الدليل على خلافه قائم .
ودعوى أنّها كإنبات الشعر الخشن على العانة ، يدفعها أنّ الفارق بينهما الدليل .
[ 4 ] خلافاً للشافعي « 1 » في أحد قوليه ففي حقّ الكفّار خاصة ؛ لكونه علامة مكتسبة تستعجل بالمعالجة ، وإنّما اعتبرت في الكفار ؛ لانتفاء التهمة بالاستعجال في حقّهم . ولأنّه لا طريق إلى معرفة بلوغهم سوى ذلك بخلاف المسلمين ؛ لجواز الرجوع
هامش
( 1 ) المغني ( لابن قدامة ) 4 : 513 .