[ جناية العبد المفلس : ]
المسألة ( الثالثة : إذا جنى عبد المفلّس كان المجني عليه أولى به ) من الغرماء الذين لا يزيد تعلّق حقّهم بالمال على الرهانة التي قد عرفت تقدّم الجناية عليها [ 1 ] ، فيستوفى منه حقّ الجناية حينئذٍ فإن زاد فهو للغرماء .
( و ) على كلّ حال ف ( - لو أراد مولاه فكّه ) بما تعلّق به الحق من الأموال ( كان للغرماء منعه ) لأنّه تصرّف مالي وقد حجر عليه في ذلك [ 2 ] .
[ وقد يمنع ذلك أيضاً حتى لو اتّفق في فكّه مصالح للمفلس ] ، وكذا لو كان له رهن على دين مؤجل وكانت المصلحة في فكّه لم يلتزم الغرماء بذلك ، فلعلّ إطلاق [ المنع من الفك ] [ 3 ] لا يخلو من قوّة .
ولو كان الجاني المفلس بما يوجب مالًا كان المجني عليه أسوة الغرماء ، كما قدمناه سابقاً [ 4 ] .
ولو كانت جنايته عمداً فصالح على الدية لم يشارك ، بناءً على أنّ الواجب أوّلًا القصاص وأنّ الديّة تثبت بالصلح . نعم لو قلنا الواجب أحد الأمرين من أوّل الأمر والخيار بيد المجني عليه أمكن القول حينئذٍ بالمشاركة للغرماء . بل لو قلنا في الصلح : إنّه ليس من قبيل المعاوضات وإنّما هو إسقاط لحقّ القصاص ورجوع إلى الديّة الثابتة شرعاً أمكن القول بالشركة .
فيكون الفرق بين القولين أنّ الخيار في الأوّل بيد المجني عليه ، والثاني بأيديهما معاً [ 5 ] . [ واحتمل عدم المشاركة فيه ] . هذا تمام الكلام في حكم المفلس .
شرح
[ 1 ] للوجوه السابقة الآتية هنا منضمّة إلى عدم الخلاف في ذلك في المقامين . ومنه يعلم أنّ تعلّق الغرماء هنا ليس كتعلّق أرش الجناية ، وإلّا أمكن القول بالاشتراك بينهما ، كما لو جنى العبد الجاني قبل انتهاء حال الجناية الأولى . وبالجملة يتّجه فيه ذلك الحكم ، فعدم الخلاف في التقديم هنا ممّا يومئ إلى عدم كون التعلّق كأرش الجناية وإن احتمله الفخر سابقاً .
[ 2 ] لكن في المسالك : « إنّما يمنع المولى من فكّه مع عدم المصلحة في فكّه ، فلو فرضت بأن كان كسوباً يثمر مالًا إلى حين القسمة وقيمته باقية فله فكّه لمصلحته » « 1 » .
قلت : قد يمنع أيضاً معها ؛ لتعلّق الحق في المال على وجه لا يتصرّف به إلّافي بيعه للوفاء وإن اتّفق حصول مصالح للمفلس .
[ 3 ] [ كما أطلق ] المصنّف وغيره المنع .
[ 4 ] إذ الفرق بينه وبين عبده بالتعلّق بالذمّة والعين واضح .
[ 5 ] ولعلّ قوله تعالى :« فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ »« 2 » إلى آخره لا يخلو من إشعار بذلك ، وكأنّه لذا لم يجزم الفاضل في التذكرة بعدم المشاركة في الصلح أيضاً ، فإنّه بعد أن حكى عن أحمد المشاركة مطلقاً ، قال : « ويحتمل عندي أن لا يشارك ؛ لأنّ الجناية موجبها القصاص ، وإنّما يثبت المال صلحاً وهو متأخّر عن الحجر ، فلا يشارك كما لو استدان » « 3 » ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) المسالك 4 : 127 .
( 2 ) البقرة : 178 .
( 3 ) التذكرة 14 : 177 .