فالمتجه حينئذٍ ما ذكرنا من القرعة أو الاقتصار على الأقلّ أو نحو ذلك ممّا سمعت الذي لا يخلو القول بالقرعة فيه من قوّة . ومع تلك القاعدة فالأولى [ 1 ] إعمال كلّ من البيّنتين ببعض ما قامت عليه من التفاوت عن وجه لا يفضل أحدهما عن الآخر [ 2 ] .
بل لعلّ اختلاف البيّنات هو تعدد القيم باعتبار تفاوت الرغبات فيكون كالشئ الواحد الذي له قيم متعدّدة ، ومقتضى العدل الجامع بين حقي المشتري والبائع هو [ أن تجمع القيمتان أو القيم منسوبة إلى القيم بالسوية ] [ 3 ] .
فليست المسألة حينئذٍ من تعارض البيّنات كي يجري فيها حكمه . ولو كان الثمن عروضاً استحق المشتري قيمة نسبة التفاوت منه . كما أنّه لو كان نقداً لم يستحق الأرش في خصوص ما دفعه منه ؛ لأنّ التحقيق كون الأرش من الغرامات ، فالثمن حينئذٍ ملك البائع على كلّ حال . ولو كان العيب في الثمن وكان عروضاً استحق البائع على المشتري قيمة نسبة التفاوت من المبيع ، فمع فرض كون التفاوت النصف استحق عليه قيمة نصف المبيع .
وقد يحتمل أنّه يستحق عليه تفاوت ما بين الصحّة والعيب ، ولا جمع هنا بين العوض والمعوّض عنه بحال [ 4 ] . فالأولى ملاحظة النسبة في كلّ منهما [ / المبيع ، الثمن ] ، فتأمّل جيّداً .
شرح
[ 1 ] [ ك ] - ما ذكره الشهيد من [ أنّه ذلك ] .
[ 2 ] ضرورة كونه هو الذي اختلفت البيّنات فيه ، والتقويم مقدّمة له ، لا أنّه ينتزع قيمة جديدة خارجة عن المجموع ، كما هو مقتضى الطريق الأوّل ؛ إذ هو ليس جمعاً فيما اختلفت فيه البيّنات من التفاوت الذي هو مقتضى أحدها الثلث مثلًا ، ومقتضى الأخرى الربع مثلًا ، بل اللائق بعد القطع بانحصار التفاوت في أحد الأمرين ، ولم يعلم به على الخصوص تنصيف مقتضى كلّ من البيّنتين والحكم بكونه الأرش إعمالًا لكلّ منهما في النصف ، فتأمّل جيّداً . اللهمّ إلّاأن يقال : إنّهم أخذوا ذلك ، مضافاً إلى ما سمعت من خبر عبداللَّه بن عمر الوارد في الأضاحي قال : كنّا بمكة فأصابنا غلاء في الأضاحي فاشترينا بدينار ثمّ بدينارين ثمّ بلغت سبعة ثمّ لم توجد بقليل ولا كثير ، فوقّع هشام المكاري إلى أبي الحسن عليه السلام فأخبره بما اشترينا وإنّا لم نجد ، فوقّع عليه السلام : « انظروا إلى الثمن الأوّل والثاني والثالث فاجمعوا ثمّ تصدّقوا بمثل ثلثه » « 1 » . وقد عمل به الأصحاب في محلّه ، بل قالوا : الضابط أن تجمع القيمتان أو القيم ويتصدّق بقيمة منسوبة إلى القيم بالسويّة ، فمن الثلاث الثلث ومن الأربعة الربع وهكذا ، واقتصار بعض على الثلث تبعاً للرواية ، وإلّا فالمراد ذلك . وهو قريب إلى ما قلنا به .
[ 3 ] [ ك ] - ما ذكره الأصحاب ، وتضمّنه الخبر المزبور .
[ 4 ] لأنّ الغابن إن كان هو المشتري فالأمر واضح ، وإن كان هو المغبون فليكن كذلك في الثمن وأرشه ؛ ضرورة أنّ الأرش ليس هو إلّا جابراً للمعيب بحيث يصيّره صحيحاً ، وهو الغبن الأوّل ، الذي قد أقدم عليه .
وفيه : أنّ مثله يأتي في عيب المبيع ، مع أنّك قد عرفت أنّه يرجع على الثمن بنسبة التفاوت .
ودعوى الفرق بينهما بكون الثمن قيمة للمبيع بعد أن تراضيا عليه ، فيكون التفاوت بالنسبة وملاحظة القيمة الواقعية إنّما هو لمعرفة قدر التفاوت . يدفعها : أنّه كما أنّ الثمن قيمة للمبيع بالتراضي كذلك المبيع قيمة الثمن لذلك أيضاً .
هامش
( 1 ) التهذيب 5 : 238 - 239 ، ح 805 . الوسائل 14 : 203 ، ب 58 من الذبح ، ح 1 ، مع اختلاف .