بل المتّجه حينئذٍ الاقتصار في مخالفة الأصل على المتيقّن ، وليس هو إلّااللفظ المخصوص [ 1 ] .
[ المعاطاة في البيع ] :
إنّما الكلام في أنّ الألفاظ المخصوصة شرط اللزوم في العقود اللازمة ، فتصحّ حينئذٍ بغيرها من الأقوال والأفعال المقصود بها إنشاء البيع والإجارة مثلًا على وجه يجري عليه أحكامها ، عدا اللزوم ، كما أنّه يشترط فيه شرائطها أيضاً ، فيكون البيع حينئذٍ مثلًا قسمين بصيغة ، وهو الذي يكون لازماً ، وبدونها وهو الذي لا يكون لازماً ، أو أنّها شرط للصحّة أيضاً ، فلا يقع أصل البيع مثلًا بدونها .
قيل « 1 » : ثمّ على الثاني تكون من البيع الفاسد فتجري عليه أحكامه ، أو أنّها تفيد إباحة التصرّف في وجوه الانتفاعات ؟ [ 2 ] [ خلاف ] .
شرح
[ 1 ] ومن الغريب استناده إلى إطلاق بعض النصوص ، وآية : التجارة عن تراضٍ « 2 » ، المعلوم عدم كون المراد منه تحقّق العقد وأحكامه بذلك ، كما أنّ من الغريب أيضاً الاستناد إلى عموم آية :أَوْفُوا بِالْعُقُودِ« 3 » ، التي من المعلوم كون المراد منها ما هو المنساق من العقود المعهودة بالتعارف والاستعمال المأخوذة يداً بيد ، المستغنية بذلك عن التعرّض لها بالخصوص ، بل الظاهر الاكتفاء عن ضبطها بضبط أسماء المعاملات ، على معنى أنّ الأصل في لفظ عقد البيع بعت ، والصلح صالحت وهكذا . فلا ينافيه [ / الأصل ] حينئذٍ قيام دليل على إلحاق بعض الألفاظ غيرها بها ، لا أنّ المراد منها كلّ ما يقصد العقد به ، أو كلّ لفظ كذلك ، كما هو واضح بأدنى تأمّل ، فلا ريب في اشتراك القول المزبور مع القول الأوّل في وضوح الفساد وإن اختلفا فيه شدّة وضعفاً .
[ 2 ] خلاف بين الأصحاب ومعركة عظيمة ، خيرة الكركي في الجامع وغيره « 4 » وبعض من تأخّر عنه الأوّل « 5 » .
بل ربّما ظهر منه دعوى الإجماع عليه ، قال : « المعروف بين الأصحاب أنّها - أي المعاطاة - بيع وإن لم تكن كالعقد في اللزوم ، خلافاً لظاهر عبارة المفيد ، ولا يقول أحد من الأصحاب بأنّها بيع فاسد ، سوى المصنّف في النهاية ، وقد رجع عنه في كتبه المتأخّرة عنها ، وقول اللَّه تعالى :وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ« 6 » يتناولها ؛ لأنّها بيع بالإتّفاق ، حتى من القائلين بفسادها ؛ لأنّهم يقولون :
إنّها بيع فاسد ، وقوله تعالى :إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ« 7 » عامّ إلّاما أخرجه دليل » . وما يوجد في عبارة جمع من متأخّري الأصحاب من أنّها تفيد إباحة وتلزم بذهاب أحد العينين ، يريدون به عدم اللزوم في أوّل الأمر ، وبالذهاب يتحقّق اللزوم ، لامتناع إرادة الإباحة المجرّدة عن أصل الملك ؛ إذ المقصود للمتعاطيين إنّما هو الملك فإذا لم يحصل كانت فاسدة ، ولم يجز التصرّف في العين ، وكافّة الأصحاب على خلافه . وأيضاً فإنّ الإباحة المحضة لا تقتضي الملك ، أصلًا ورأساً ، فكيف يتحقّق ملك [ مال ] شخص بذهاب مال آخر في يده ؟ ! وإنّما الأفعال لمّا لم تكن دلالتها على المراد في الصراحة كالقول وإنّما تدلّ بالقرائن منعوا من لزوم العقد بها ، فيجوز الترادّ ما دام ممكناً ، فمع تلف أحد العينين يمتنع الترادّ ، فيتحقّق اللزوم ؛ لأنّ إحداهما في مقابل الأخرى ، ويكفي
هامش
( 1 ) نهاية الإحكام 2 : 449 .
( 2 ) النساء : 29 .
( 3 ) المائدة : 1 .
( 4 ) جامع المقاصد 4 : 58 . حاشية الإرشاد ( حياة الكركي ) 9 : 333 - 334 .
( 5 ) انظر المفاتيح 3 : 48 .
( 6 ) البقرة : 275 .
( 7 ) النساء : 29 .