تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
الربّانيون والأحبار عن ذلك ، وإنّهم لمّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربّانيون والأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات ، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، واعلموا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقرّبا أجلًا ولن يقطعا رزقاً ، إنّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر اللَّه لها من زيادة أو نقصان . . . إلى آخره » « 1 » . وقال أيضاً : اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللَّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار ، إذ يقول :
لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ
« 2 » ، وقال :
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
« 3 » ، وإنّما عاب اللَّه تعالى ذلك عليهم لأنّهم كانوا يرون من الظلمة الّذين بين أظهرهم المنكر والفساد ، فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ، ورهبة ممّا يحذرون ، واللَّه يقول :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ
« 4 » . وقال :
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
« 5 » ، فبدأ اللَّه تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه ، لعلمه بأنّها إذا ادّيت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها ، وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها . . . إلى آخره » « 6 » . وقال الباقر عليه السلام : « يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤون يتقرّأون ويتنسّكون حدثاء وسفهاء لا يوجبون أمراً بمعروفٍ ولا نهياً عن منكرٍ إلّاإذا أمنوا الضرر ، يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير ، يتبعون زلات العلماء وفساد علمهم ، يقبلون على الصلاة والصيام ، وما لا يكلمهم في نفس ولا مال ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها ، إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة ، بها تُقام الفرائض ، هنالك يتمّ غضب اللَّه عليهم ، فيعمّهم بعقابه ، فيهلك الأبرار في دار الفجّار ، والصغار في دار الكبار ، إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ، ومنهاج الصالحين فريضة عظيمة بها تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء ، ويستقيم الأمر ، فأنكروا بقلوبكم والفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم ، ولا تخافوا في اللَّه لومة لائم ، فإن اتّعظوا وإلى الحقّ رجعوا فلا سبيل عليهم :
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 7 » . هنالك فجاهدوهم بأبدانكم ، وأبغضوهم بقلوبكم ، غير طالبين سلطاناً ، ولا باغين مالًا ، ولا مريدين بالظلم ظفراً حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه ويمضوا على طاعته » .
هامش
( 1 ) الكافي 5 : 57 ، ح 6 ، وفيه : « لم يقرّبا أجلًا ولم يقطعا » . ذكر صدره في الوسائل 16 : 120 ، ب 1 من الأمر والنهي ، ح 7 . ( 2 ) المائدة : 63 . ( 3 ) المصدر السابق : 78 ، 79 . ( 4 ) المصدر السابق : 44 . ( 5 ) التوبة : 71 . ( 6 ) الوسائل 16 : 130 ، ب 2 من الأمر والنهي ، ح 9 ، وليس فيه : « الّذين بين أظهرهم » . ( 7 ) الشورى : 42 .