ولكن دون جدوى ، فقد أجاب الشيخَ بأن رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد أن ترزقني الشهادة وأنت راضٍ عنّي ، اللهمّ أنت تعلم أنّي ما فعلت ذلك طلباً للدنيا ، وإنّما أردتُ به رضاك وخدمة دينك ، اللهمّ ألحقني بالنبيّين والأئمّة والصدّيقين والشهداء ، وأرحني من عناء الدنيا » .
ثمّ كفكف دموعه وغسل وجهه ، وكان يحرص قدر المستطاع أن لا يدخل الحزن على قلوب عائلته وأطفاله ، فأمر السيّدة بنت الهدى أن لا تخبر أحداً بنتيجة هذا اللقاء .
وكان بعد تلك المفاوضات ينظر إلى أطفاله برقّة وعطف ، إذ كانت تعلو وجهه ابتسامة يشوبها الحزن كلّما نظر إلى أحدهم ، وكأنّه قد أيقن أنّ أجله قد حان « 1 » . وكان ( رحمة الله ) يقول : « إنّي أتمنّى وأرجو الله أن يرزقني الشهادة ، فإنّ الدم لم يعد له شيء . . متى يتورّط هؤلاء بقتلي ؟ » « 2 » .
الرؤيا والوصيّة
وبعد فجر ذلك اليوم جاء السيّد الصدر ( رحمة الله ) وأيقظ الشيخ النعماني للصلاة ، فقام الشيخ وصلّى الفجر ، ثمّ قال له السيّد الصدر ( رحمة الله ) : « إنّي أبشّر نفسي بالشهادة إن شاء الله » ، فقال الشيخ : « خيراً إن شاء الله » ، فقال ( رحمة الله ) : « رأيت في عالم الرؤيا أنّ خالي المرحوم الشيخ مرتضى آل ياسين وأخي المرحوم السيّد إسماعيل الصدر قد جلس كلُّ واحد منهم على كرسيّ ، وتركوا كرسيّاً لي بينهما وهما ينتظران قدومي إليهما ، ومعهم ملايين البشر ينتظروني أيضاً » ، ووصف له النعيم وما هما فيه من سعادة لا تتصوّر .
فقال الشيخ : « لعلّ هذه الرؤيا تدلّ على الفرج والنصر إن شاء الله » ، فقال ( رحمة الله ) : « إنّ الشهادة أعظم نصر إن شاء الله » .
وقد كتب ( رحمة الله ) في اليوم نفسه وصيّته ، أو لعلّ الصحيح أنّه أعاد كتابة وصيّته وضمّنها أشياء جديدة ، وكان قد أطلع الشيخ النعماني على بعضها مشافهة .
إضافةً إلى الوصيّة ، فقد كتب ( رحمة الله ) [ رسالةً موجّهة إلى السيّد محمود الهاشمي ، وقد
أوصاه فيها بالشيخ محمّد رضا النعماني وبالسيّد عبد العزيز الحكيم ، وأشاد بالشعب العراقي ] « 3 » .
وبعد استشهاد السيّد الصدر ( رحمة الله ) حمل الشيخ محمّد رضا النعماني هذه الرسالة إلى السيّد محمود الهاشمي ، وقد حدّثه فيها عن حزب الدعوة الإسلاميّة « 4 » .
السيّد الصدر ( رحمة الله ) يفرغ ذمّته
وكان ( رحمة الله ) قد بعث في أوّل فرصة أتيحت له في فترة الحجز بكلّ ما يملك من أموال إلى خارج
هامش
( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 203 - 204
( 2 ) سنوات الجمر : 253 ، نقلًا عن الشيخ محمّد رضا النعماني في حديث خاص
( 3 ) ما بين [ ] من : سنوات المحنة وأيّام الحصار : 282 - 283 ، 299 . وقد قامت اللجنة العلميّة في المؤتمر العالمي للإمام السيّد الصدر بحذف هذا المقطع الذي وردت فيه الإشادة أيضاً بجهود الشيخ عبد الحليم الزهيري ، وقد أكّد الشيخ محمّد رضا النعماني أنّ هذا الحذف لم يكن منه . وهنا يُشار إلى أنّ السيّد عبد العزيز الحكيم كان الواسطة بين السيّد الصدر وبين الشيخ عبد الحليم الزهيري الذي كان ينقل توجيهات السيّد الصدر إلى حزب الدعوة الإسلاميّة .
يُشار إلى أنّ السيّدة أم جعفر نفت أن تكون قد استلمت وصيّة كتبيّة من السيّد الصدر
( 4 ) انظر آخر الأحداث ضمن هذه السنة نقلًا عن الشيخ محمّد رضا النعماني .