كانت السلطة في حينها هي المسيطرة على مرافق الدولة وكانت في أوج قوّتها ، فكان أمام السيّد ( رحمة الله ) خياران لا ثالث لهما :
الأوّل : أن يواجه السلطة مواجهة غير متكافئة وهي في أوج قوّتها ، وكان ( رحمة الله ) قد وطّن نفسه على القتل .
الثاني : مداهنة النظام والاستجابة له وتمرير المخطّطات بالخفاء حتّى تحقيق النصر .
ولم يكن ممكناً للسيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يختار الخيار الثاني :
فمن ناحية قطعت عليه برقيّة السيّد الخميني ( رحمة الله ) ذلك لأنّه سيتّهم بالتخاذل ، خاصّةً من قبل الذين يقيسون أوضاع العراق بأوضاع إيران . ومن ناحية ثانية ، فإنّ الاستجابة للسلطة ولو جزئيّاً سوف يشكّل ثغرة تبقى على جبين المرجعيّة . وهذا ما لم يكن ( رحمة الله ) ليقبل به « 1 » .
وأخيراً استقرّ الرأي في تلك الجلسة على بدء الخطوة الجديدة . .
كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يعلم أنّ قطاعات كبيرة من أبناء الشعب قد استمعت إلى برقيّة السيّد الخميني ( رحمة الله ) وقد أقلقها أن يغادر العراق ويترك الجماهير من دون قائد يرعاهم وهم
في أمسّ الحاجة إليه وفي أخطر وأهمّ مرحلة من مراحل التحرّك الإسلامي . وكانت أعداد كبيرة من المؤمنين تتوافد إلى النجف ، تسأل عن هذا الأمر ، وهل حقّاً سيغادر السيّد الصدر العراق ؟
من هنا بدأت فكرة مجيء وفود البيعة تبرز إلى السطح وتتبلور في ذلك الاجتماع وهل هو عمل يناسب هذه المرحلة أم لا ؟
فكان الرأي قد انتهى إلى البدء بهذه الخطوة مهما كانت النتائج ، وكان هدف السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يبدأ مرحلةً جديدةً من المواجهة مع السلطة ويضع من خلال ذلك الشعب العراقي في طريق الصراع المباشر مع النظام ومواصلة الطريق حتّى تحقيق الهدف المنشود بإقامة حكم الإسلام في العراق حتّى لو كان الثمن هو دمه ( رحمة الله ) .
وكان الشيخ محمّد رضا النعماني قلقاً جدّاً من نتائج ذلك الاجتماع ومتوجّساً من العواقب التي سينتهي إليها التحرّك ، لأنّه يعلم أنّ السلطة لا تتحمّل أقلّ من هذا العمل لو صدر من السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، فكيف لو حدث أن جاءت وفود كبيرة ! !
وقد قال للسيّد الصدر ( رحمة الله ) بعد أن انفضّ الاجتماع : « إنّ هذا يعني أنّكم قد صمّمتم على الاستشهاد في سبيل الله تعالى في وقت تكون الأمّة فيه بأمسّ الحاجة إليكم ؟ » ، فأجاب ( رحمة الله ) : « هل تريد إقامة حكومة إسلاميّة في العراق ؟ » ، فقال الشيخ النعماني : « نعم » ، فقال ( رحمة الله ) : « إنّي أرى أنّ طريقها هذا ، أن أستشهد لتستثمر الجماهير دمي ، المهمّ أن أعمل ما أعتقد أنّه يخدم الإسلام حتّى لو كان ثمنه حياتي ولا أفكّر بنصرٍ سريع » « 2 » .
هامش
( 1 ) مقابلة ( 1 ) مع الشيخ محمّد رضا النعماني . وأحسب أنّ محاضرات السيّد الصدر المدوّنة في ( أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف ) حول السبب في عدم مداهنة الإمام علي معاوية بن أبي سفيان كفيلة بتوضيح حيثيّات موقفه
( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 147 .