على نحو موسوعي لا يصل إلى حدود التخصّص . وإذا قدّر له ذلك فهو فتحٌ في آفاقنا المعرفيّة . وبذلك يكون المنبر مؤهّلًا للخوض في الأفكار العامّة ، وليس دخيلًا عليها ، مع لفت النظر إلى أنّه فعلًا سائرٌ إلى هذه المرتبة رغم الثغرات التي تحوطه ، وذلك كلّه لالتفاف الناس حوله بدافع من العقيدة وطلب الأجر .
وهذه الأمور الثلاثة فيها تفاصيل كثيرة وشعب دار حولها كثيرٌ من النقاش ، وخصوصاً من ناحية أنّ ما هو قائم بالفعل يمكن تهذيبه ، أو ما هو مؤمّل وممكن في حدود الإمكانات المتاحة
هذا ما له صلة بالمضمون الثقافي للمنبر ، أمّا الجانب المتحرّك في أفق المنبر - وهو الخطيب - فإنّه وإن كان ليس بعيداً عن الذهن عند بحث المضمون ، كان السيّد ( رحمة الله ) يرى أنّه العنصر المؤثّر فيه والروح الحقيقيّة له .
ولهذا استأثر بحصّة لا تقلّ عن حصّة مضمون المنبر في الحديث الذي جرى بين الشيخ الوائلي وبين السيّد الصدر ( رحمهما الله ) ، من حيث ما يجب أن يحمله من مؤهّلات وما يتّصف به من صفات . وكان أهمّ ما انتهت إليه الآراء ما يأتي :
أوّلًا : أن يكون رعيل الخطباء قسماً من الحوزة لا قسيماً لها ، بمعنى أن يسير هؤلاء الخطباء على ما يسير عليه طلّاب الحوزة من خطوات في المنهج والمضمون ، وفي سلوكهم وهديهم والتزامهم بأجواء الحوزة . وإذا قدّر لهم أن يتّصفوا بذلك ، فستحصل لخطيب منهم أمور أهمّها : الثقة بنفسه وأنّه بمستوى أداء الرسالة علميّاً وستتغيّر النظرة إليه عند الجمهور من كونه مجرّد ذاكرٍ يمارس موضوعاً يتّصل بالعواطف عند محبّي آل البيت ( عليهم السلام ) إلى كونه من أهل العلم الذين يقومون بما يقوم به ممثّلو العلماء في البلدان . غاية ما في الأمر أنّ الممثّلين ثابتون في مكان محدّد وهؤلاء متجوّلون . وبذلك سيكون الخطباء مشمولين بكلّ ما للحوزة من حقوق ورعاية وغطاء مادي من الحقوق الشرعيّة حتّى لا يتعرّضوا للضياع في أيّام العجز والشيخوخة ، إلى غير ذلك من مكاسب .
ثانياً : يتعيّن على الخطيب - إضافةً إلى ترسّمه المنهج الحوزي - أن يحقّق إتقان الآليّات ذات العلاقة بفنّ الخطابة الحسينيّة ، لأنّ ذلك من أوّل شروط المنبر الناجح ، على أن تكون هذه الأمور مسايرة للتطوّر أداءً ومضموناً ، ومنسجمةً مع ضوابطنا الشرعيّة والأخلاقيّة ، وحاملة لسمات عقيدتنا
في خطوطها العامّة ، ومتّصفة بالبعد عن المبالغات والتهويلات ، الأمر الذي يجعلها مستساغة ؛ وبالاختصار أن تكون وفق المواصفات السليمة .
إنّ هذه الآليّات المذكورة هي العنصر الفاعل في جذب الجمهور إلى المنبر ، ومن ثمّ مخاطبته وفق المستويات التي يخضع لها ، من حيث الزمان والمكان والهويّة وغير ذلك ممّا يحدّد آفاق المستمعين .
وينبغي ألّا يحرص الخطيب على مجرّد إرضاء المستمعين بالنزول إلى مستواهم وما يتوقون إليه ، خصوصاً إذا كان يؤدّي إلى الهبوط بمستوياتهم ، ولا بدّ من محاولة الارتقاء بهم تدريجيّاً وبهدوء .
إنّ بعض تلك الممارسات حتّى لو كانت سائغة شرعاً ، لكنّها إذا كانت تؤدّي إلى ما يهبط
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 497
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٤٩٧