بجمهورنا ، فينبغي الابتعاد عنها . إنّ عمليّة الانتقاء هنا ضروريّة ينبغي أن ترضي مزاجنا الديني ، وإن كانت لا ترضي الخطيب أو الجمهور ، ذلك أنّ الخطيب حامل رسالة ، والرسالة تبني وإن كانت عمليّة البناء متعبة تكلّف جهداً ومعاناة .
ثالثاً : انطلاقاً من ذلك أصبح لا بدّ من عمليّة انتقاء لمن يمارس الخطابة ، بمعنى أنّه ينبغي ألّا يكون الباب مفتوحاً أمام من يريد سلوك هذا الطريق ما لم يحمل المؤهّلات ، ولو بالحدّ الأدنى . وليس من المحتّم دخوله هذا السلك ، بل يمكن تيسير السبيل أمامه إلى أداء رسالة عن طريق الحوزة التي لا ضرورة فيها للشروط المطلوبة من الخطيب ممّا سيُشار إليه . زبذلك سيحقَّق للمنبر ما هو ضروري له ولطالب أداء الرسالة ما يحفظ له مكانته ولا يعرّضه للضياع لفقدان الشروط المنبريّة المفروض أن تتوافر لديه . وفي المقابل يكون الكثيرون ممّن يمارسون الخطابة ولا تتوافر لهم الظروف المطلوبة عرضةً للضياع وإهدار العمر في ما لا يعود عليهم بالمطلوب .
ولعلّ أبرز ما قد يحتاجه الخطيب أمور :
1 - حسن المظهر ووجاهته في حدود معقولة ، وينبغي ألّا يتّصف الخطيب بما يغاير ذلك .
2 - أن يكون ممّن رزقه اللّه تعالى صوتاً جيّداً مرناً وقابلًا للتكيّف مع الحالات المطلوبة في الأداء ، لأنّ حاجته لذلك شديدة ، بحكم كون الصوت الجيّد عاملَ جذب مهمّاً للجمهور .
3 - أن يكون ذا حافظة سليمة لخزن المعلومات وليس من المبتلين بعكس ذلك .
4 - أن تكون عنده موهبة حسن الاختيار ، سواء كانت ذاتيّة أم مكتسبة ، مع قدرة على التحرّك بهذه الموهبة في المواقف المطلوبة .
5 - كونه من ذوي السمعة الحسنة ، ومن دون ذلك يفقد التأثير ولا يعتنى بقوله .
6 - أن يكون قد اجتاز مدّة من التدريب والتلمذة تحقّق له النضج في الخطابة والتحلّي بخواص المنبر التي يكتسبها من مجموعة وليس من واحد ، لأنّها قد لا تكون مجموعة عند واحد ، فيأخذ من كلٍّ منهم ما هو متميّز به .
هذا أقلُّ ما ينبغي أن يكون عند الخطيب ليكون مؤهّلًا للقبول في ما يمارسه من عمل المنبر ، وحتّى نكون قد اخترنا للمنبر من هو مؤهّل ومهيّأ لأداء هذه الرسالة ، وإلّا فليس من الصحيح أن
نضعه في غير مكانه فنسيء له من ناحية ولرسالته من ناحية أخرى .
هذه هي أبرز الأمور التي بقيت لنا ممّا دار حوله الحديث مع السيّد الصدر ( رحمة الله ) .
أمّا ما تمّ تداول الحديث حوله في كيفيّة تجسيد ما انتهيا إليه نظريّاً ، فقد استقرّ الرأي على الخطوات الآتية :
أوّلًا : أن يتمَّ العمل لذلك بهدوء ومن دون واجهات بارزة ، وإنّما بعمل بسيط وفي خطوات حذرة ، ومن دون استفزازٍ للآخرين ، مع التبيّن بعد كل خطوة في مدى صوابها قبل البدء بالخطوة الثانية ، وذلك تحاشياً للمضاعفات . وهذه الأمور استفادها الشيخ الوائلي ( رحمة الله ) قبل ذلك من تجربة ( جمعيّة منتدى النشر العلميّة ) في النجف الأشرف عند البدء بتأسيس معهد الخطابة الذي انتهى إلى الإخفاق ، فلا ينبغي أن تتكرّر تلك التجربة ما دام معظم العوامل لا يزال قائماً بالفعل .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 498
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٤٩٨