« ذي القعدة 1392
بسم الله الرحمن الرحيم
أولادي وأحبّتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أكتب هذه الكلمات أيّها الأحبّة وقد مرَّ على فراق أبيكم لكم سنة كاملة تقريباً ما كان أقساها من سنة على هذا الأب الذي جسّد فيكم آماله ، وبذل في سبيل تحقيق وجودكم الأفضلِ عصارةَ روحه وقلبه وعقله جميعاً ، وعاش يترقّب نموَّ أولاده واشتداد سواعدهم في العلم وتساميهم في الروح وتكاملهم المستمر في الخُلُق والهدي والدين ، وبدأ يحسُّ أنّ هؤلاء الأولاد البررة سوف يحقّقون ظنونه فيهم ويمثّلون امتداده الروحي ، وإذا به يفاجأ في لحظة بقدرٍ فرّق بينه وبين أبنائه وهو أحوج ما يكون عاطفيّاً وروحيّاً ودينيّاً إلى قربهم .
وبالرغم من مرور سنة كاملة على فراق الأب لأبنائه ، فلا أزال كيوم فارقتكم فيه شعوراً بالألم وشعوراً بالأمل مع شعورٍ ثالث هو حصيلة سنة من الفراق المرير ، وهو الإحساس بأنّ العائلة مهما تمزّقت مكانيّاً تظلُّ عائلةً بكلِّ روابطها العائليّة الطاهرة التي تشدُّ الأب إلى أبنائه وتوحّد الأبناء في إطار أبيهم .
إنّ العاطفة وحدها لا تكفي ضماناً مطلقاً لوحدة العائلة ، وإنّ التبصّر وحده لا يكفي ضماناً لوحدة العائلة .
غير أنّ العاطفة والتبصّر معاً هما الضمان الأكيد لاستمرار مشاعر الأبوّة والبنوّة ومواقف الأبوّة والبنوّة .
رعاكم الله بعينه التي لا تنام ، والسلام عليكم وعلى هذا الولد الجديد الباقري « 1 » الذي ابتعد عن أبيه
وبنفسي مشاعركم وأفراحكم وشتّى مناسباتكم والسلام على جميع الأحبّة والأعزّاء من حولكم ورحمة الله وبركاته » « 2 » .
ومن رسائله إليهم :
« بسم الله الرحمن الرحيم
أيّتها الأجزاء المتبعثرة من قلبي والأحبّة الذين لا تزال أشباحهم ملأ عيني ولا أزال أتمثّلهم معي في كلّ حين .
السلام عليكم ورحمة الله ورضوانه
أكتب إليكم أيّها الأعزّاء هذه السطور وأنا أعلم بقسوة الساعات التي تمرّ عليكم وبشعور الغربة الذي يملأ نفوسكم وبمرارة التجزئة المكانيّة التي نقاسيها وتقاسونها ، ولكنّي رغم ذلك أرجو أن تكونوا قد تغلّبتم الآن وبالتدريج على أثر الصدمة الفجائيّة التي بدّدت الشمل وجزّأت الأحبّة وسيطر على موقفكم النفسي من جديد الشعور بالمسؤوليّة بدلًا عن الشعور بالضياع ، ورجائي هذا يقوم على أساس الأسباب التالية :
أوّلًا : ما عوّد الله سبحانه وتعالى عليه عباده الصالحين من الألطاف الربانيّة التي تساعد على اطمئنان
هامش
( 1 ) يقصد السيّد محمّد علي الباقري . وكان السيّد الصدر ( رحمه الله ) قد تعرّف على السيّد الباقري في حفل توديع وتكريم أحد علماء أفغانستان في النجف الأشرف ، حيث قارن السيّد الباقري في كلمته بين العالم الفرنسي ( منتسكيو ) وبين الفقهاء المتحمّلين مسؤوليّةَ تبليغ الدين . وبعد أيّام التقى السيّد الصدر ( رحمه الله ) به مجدّداً ، فقال له : « لم أكن أفكّر أنّ في الحوزة من يتقن الحديث عن الشخصيّات العلميّة والفكريّة الأوروبيّة » وشكره على سعة أفق ثقافته . وبعدها حضر السيّد الباقري درس السيّد الصدر ( رحمه الله ) ( تلامذة الإمام الشهيد الصدر : 333 - 334 ) ، وليس المقصود ب - ( الجديد ) أنّه التحق به قبل أيّام مثلًا
( 2 ) انظر الوثيقة رقم ( 179 ) .