كما أنّ الحاج كاظم عبد الحسين عرض على السيّد الصدر ( رحمة الله ) شراء دار له فرفض ، وعرض عليه الخروج من العراق وشراء دار له في أيّة دولة يختار العيش فيها ، فرفض الخروج والدار « 1 » .
يكتب السيّد الصدر ( رحمة الله ) إلى الشيخ علي كوراني بتاريخ 7 / صفر / [ 1392 ] ه - ( 22 / 3 / 1972 م ) « 2 » :
« بسم الله الرحمن الرحيم
العزيز المعظّم حفظه الله تعالى ورعاه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد فإنّي أكتب إليكم هذه الرسالة في اليوم السابع من صفر يوم وفاة الإمام الحسن عليه الصلاة والسلام ، هذا الإمام الممتحن الذي عاش أتعس ظروف العمل الأناني وأنكاها ، وقدّر له أن يكون صامداً ثابتاً صابراً وهو يرى رسالة ربّه وشريعة جدّه تتمزّق في أيدي الأمويّين الطغاة ، وتفقد مواقعها الحقيقيّة في الأمّة نتيجة مؤامراتهم على الإسلام وكيدهم للمسلمين ، وكأنّي به - بأبي وأمي - والحياة تضيق به أو يضيق بها ، يفتّش عن الموت فلا يجده كما يطلبه الأولياء شهادةً واضحةً في سبيل الله حتّى جاءته الشهادة أخيراً يحملها اليه سمُّ معاوية ، وما أعذب سمّ ينقل الإنسان الثابت الصابر من جوار أعدائه إلى جوار ربّه ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم .
حدّثني السيّد علاء الدين حفظه الله تعالى عن اهتمامكم واهتمام الوجيه العزيز الحاج كاظم عبد الحسين بشأن شراء دار ووجود متبرّع بمبلغ سبعة « 3 » بهذا الشأن ، وإنّي أقدّر لكم أيّها الأحبّة هذه الاهتمامات وأرجو من المولى سبحانه وتعالى أن يثيب المتبرّع الموفّق بأفضل ما يثيب به المحسنين ويزيد في توفيقه ويجمع له خير الدنيا وخير الآخرة إنّه سميعٌ مجيب ، غير أنّي في نفس الوقت أعتذرُ عن قبول هذا التبرّع لشراء دار لأنّي لا أشعرُ بحاجةٍ إلى الأخذ من هذه الدنيا إلّا بمقدار ما يوفّر لي الاستقرار اللازم لممارسة المسؤوليّات الدينيّة ، وهذا يحصل في بيت الإيجار المناسب أيضاً . ولئن كان أولادي سوف
لن يحصلوا من أبيهم على ميراثٍ من هذا القبيل فلهم أسوةٌ بأبيهم الذي لم يقتن له أبوه داراً ولا عقاراً ، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانُّها إلى جدث « 4 » .
نعم ، في الوقت الذي يُتاح لنا فيه أن نحوّل المرجعيّة من ذاتٍ إلى موضوع وتكون حقيقةً أكبر من الشخص وأبقى منه وأوسع من وجوده ، تكون جديرةً حينئذٍ ببيتٍ يكون البيتَ الثابت للمرجعيّة يتناوب عليه المراجع ولا يكون بعد وفاة المرجع ميراثاً ولا أداة استغلال ، وهذا شيء متروك للمستقبل .
ثمّ إنّه بصدد المبلغ المتبرَّع به للدار هناك اقتراحٌ لديّ على أساس الاعتذار عن قبول الدار ، وهو تحويل المبلغ إلى مصرفٍ آخر وهو شراء أرضٍ قريبةٍ نسبيّاً من الصحن ومراكز الحوزة في المساجد ، وبناء مجموعة من الشقق عليها ضمن ثلاث طوابق وجعل البناية وقفاً على سكنى الطلبة المعيلين ، لأنّ الطالب
هامش
( 1 ) انظر : شهيد الأمّة وشاهدها 213 : 1 ؛ مقابلة مع السيّد عبد الكريم القزويني ( * )
( 2 ) لم يُصرّح في الرسالة بالسنة ، ولا يُعلم سوى كونها في 7 / صفر . ولمّا كان الشيخ علي كوراني في الكويت ، فهذا يعني أنّ تاريخها بين 1388 وبين 1394 ه - ، وحيث يظهر منها أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) كان على أبواب المرجعيّة ، احتملنا كونها في سنة 1392 ه -
( 3 ) لعلّ المراد سبعة آلاف دينار
( 4 ) إشارةٌ منه ( رحمه الله ) إلى قول الإمام علي في كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة : « . . . بلى كانت في أيدينا فدك من كلِّ ما أظلّته السماء ، فشحّت عليها نفوسُ قوم وسخت عنها نفوسُ قومٍ آخرين ، ونعم الحَكَمُ الله ، وما أصنع بفدكٍ وغيرِ فدك والنفسُ مظانُّها في غدٍ جدث . . » ( نهج البلاغة : 417 ) .