قبل أن نصل إلى الحديث عن أحداث سنة 1390 ه - - والتي شكّلت أحداثها مرحلةً جديدةً من حياة السيّد الصدر ( رحمة الله ) - سوف نخرج قليلًا عن المنهج الترتيبي الذي التزمنا به لنسلّط الضوء على بعض الأمور المرتبطة بشخصيّة السيّد الصدر ( رحمة الله ) والتي يُفترض أن تكون قد تكوّنت وتبلورت جيّداً في هذه المرحلة . وأترك الحديث عن كثيرٍ من الخصال التي تتضّح معالمها إن شاء الله تعالى ضمن مباحث الكتاب :
عبادته « 1 »
يقول السيّد محمود الخطيب : « كان ( رحمة الله ) دائم الذكر والتسبيح ، يكثر من قول ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ) . . . وكان ( رحمة الله ) مواظباً على صلاة الليل باكياً ، كنتُ أفيق من نومي على بكائه ومناجاته عندما كنتُ أذهب معه للمبيت في الكوفة » « 2 » .
ويقول الشيخ محمّد رضا النعماني : « وحدث أن جاء قبل تلك الفترة ضيفٌ ذو شأن كبير من لبنان ، وكان وصوله بعد أذان الظهر بقليل ، وكان السيّد الشهيد ( رحمة الله ) جالساً على مصلّاه ، فأخبرته بوصول - فلان - فأمرني باصطحابه إلى الغرفة ، وقام ( رحمة الله ) فجلس في الزاوية التي اعتاد الجلوس فيها من الغرفة متهيّئاً لاستقبال ضيفه . وبعد دقائق صعدت إلى الغرفة مع الضيف وإذا بي أرى السيّد الشهيد قد وقف يصلّي وهو في حالة من الانقطاع والخشوع العجيبين وكأنّه لم يكن على موعدٍ مع أحد .
وكنتُ فيما سبق من الأيّام أتربّص الفرص لأصلّي خلفه جماعةً في البيت ، فكان في أحيان كثيرة يجلس في مصلّاه فكنت أجلسُ خلفه وقد دخل وقت الصلاة ، بل قد يمضي على دخول وقتها أكثر من نصف ساعة والسيّد الشهيد جالسٌ مطرقٌ برأسه يفكّر ، ثمّ فجأة ينهض فيؤدّي الصلاة .
هذه الأمور وغيرها دفعتني في يوم من الأيّام للاستفسار منه عن سبب هذه الظاهرة ، فقال : ( إنّي آليت على نفسي منذ الصغر أن لا أصلّي إلّا بحضور قلب وانقطاع ، فأضطرُّ في بعض الأحيان إلى الانتظار حتّى أتمكن من طرد الأفكار التي في ذهني حتّى تحصل لي حالة الصفاء والانقطاع ، وعندها أقوم للصلاة ) » « 3 » .
وينقل أهله أنّه كان يطيل صلاته والخضوع والتأثّر في أثناء الصلاة واضحان عليه ، وكان يعقّب بعد الصلاة ويؤدّي أكثر المستحبّات كلّما سنحت له فرصة أو كان لديه وقت « 4 » .
وكان إذا أذّن لصلاة الظهر جدّد وضوءه مع أنّه كان يحافظ عليه .
وعندما كان يقرأ القرآن مرتّلًا يتفاعل مع الآيات التي فيها نارٌ أو وعيد ، أو جنّة أو لطفٌ إلهي . وكان الشيخ محمّد رضا النعماني إذا سمعه يقرأ سورة الواقعة تأخذه حالة من الخشوع وكأنّه
يسمعها للمرّة الأولى ، وكانت أكثر ما تتجلّى الحالات العباديّة في شهر رمضان المبارك « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر أيضاً أحداث سنة 1387 ه - عند سفره ( رحمه الله ) إلى حج بيت الله الحرام
( 2 ) تلفيقاً بين مجموعة مذكّرات للسيّد محمود الخطيب
( 3 ) سنوات المحنة وأيّام الحصار : 120 - 121 ؛ شهيد الأمة وشاهدها 218 : 1 - 219 ؛ وانظر : صحيفة ( لواء الصدر ) ، العدد ( 596 ) ، 18 / شوّال / 1413 ه - ، نقلًا عن الشيخ محمّد رضا النعماني
( 4 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر ( رحمه الله ) للمصنّف ، ( مخطوط )
( 5 ) صحيفة ( الجهاد ) ، العدد ( 232 ) ، في حديثٍ مع الشيخ محمّد رضا النعماني . وفي المصدر أنّه كان دائماً على وضوء بدل « مع أنّه كان يحافظ عليه » ، والمراد ما أثبتناه .