وفي أيّام الوفاة ألقى السيّد علي العلوي ( رحمة الله ) كلمةً في الجامع الهاشمي الذي كان مشرفاً فيه على الطلبة بالنيابة عن السيّد إسماعيل الصدر ( رحمه الله ) ، وقد جاء فيها :
« إنّا لله وإنّا إليه راجعون
ما خلت أنّي أقف هذا الموقف الكئيب الحزين ، لم يكن في حسباني أنّي أقف يوماً معزّياً نفسي وإخواني ، ما دار في خلدي أنّي أكتب ودمي ينزف من عيني ، لماذا كلّ ذلك ؟ لموت سيّدي ! لموت أبي حيدر ! . .
آه ! فُقِد أبو حيدر . . غابت الشمس ، انطفأت الشمعة ، ليتني متُّ من قبل ولم أر هذا اليوم ، الله أكبر .
اذاً يحقّ لنا - شباب جامع الهاشمي - يحقّ لحيدر ، والحسين ، يحقّ لنا جميعاً أن نترك الحناجر هاتفة ، والدموع ذارفة ، وننادي : وا أبتاه ، وا أبتاه ، وا سيّداه ، وا مرشداه ، وا ضيعتاه بعدك يا أبا حيدر .
لا ، لا أصدّق ، لن يموت سيّدي ، حيث عرفته الرجل الخالد خلود الإسلام ، لأنّه عاش للإسلام ومات فيه .
عرفته في خلواته وفي اجتماعاته ، عرفته العالم المجتهد الزاهد العابد الورع البطل المجاهد ، لا يخشى إلّا الله ، ولا يهاب إلّا الحق .
عشت معه حقباً من الزمن ، عشت معه الجندي المخلص ، والابن المطيع ، والنائب الأمين ، والأخ البار ، عشت معه ساعات الدرس ، فلم أره إلّا البحر الذي لا ينزف ، يصبُّ المعاني كالمزن ، ويصوغها كعقد الجوهر ، ويصوّرها كأنّها الشاخص المرئي .
عشت معه ساعات العبادة ، فلم أره إلّا العبد الذليل بين يدي الرب الجليل ، كان مع ما هو عليه من التعب الشديد والعناء المرير ، يعمل أضعاف ما نعمل ، من إقامة الصلاة ، وقراءة أدعية ، وغير ذلك .
عشت معه ساعات المنبر والخطابة ، فإذا به ينحدر كالسيل العرم ، ما من مشاعر إلّا وهزّها ، وما من عواطف إلّا وهاجها ، وما من قلوب إلّا وملكها .
عشت معه ساعات الشدّة وفي أحلك الظروف ، فما رأيته إلّا الجبل الأشم الذي لا تحرّكه الزوابع والعواصف ، رأيته الرجل الحديدي ، رأيته الجيش المندفع في خطّ النار ، رأيته ذات الكيان الفولاذي .
عشت معه في مجالسه واجتماعاته ، فما كان إلّا البنّاء الماهر ، بنّاء مجتمعه على الأسس الإسلاميّة القويمة ، وما كان إلّا المفكّر الفذ ، يفكّر في تقويم من انحرف عن جادة الصواب ، وما كان إلّا المصلح العدل ، يجدّ في إصلاح ما أفسدته الأيادي العابثة والمبادئ الضالّة ، وما كان إلّا الحاكم المطلق ، يحكم بين الرعية بالعدل والسوية ، وما كان إلّا القائد المحنّك ، يقود الناس إلى شاطئ السعادة والطمأنينة ، هكذا كلّ حياته مليئة بالعمل المتواصل ، والجهاد المستمر ، والكفاح المرير ، مثله كمثل الشمعة تحرق نفسها لتضيء لغيرها ، وكان - والله - كذلك حتّى مضى إلى ربّه قرير العين
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
« 1 » .
مضى ولم يمض . . مضى وقد خلّف أمّة من الناس تحمل روحه ، وتعيش أفكاره ، وتدرس آراءه . . خلّف علماء من طلبته ، وشباباً ناهضاً متكاملًا بتربيته . . خلّف ثروة علميّة من مطبوع وغير مطبوع ، كتبت بعضها بيدي مبيضّة . . خلّف حيدراً والحسين اللذين سيقومان مقامه إن شاء الله .
سيّدي ! لم تمت ولك المآثر الخالدة في نفوسنا . .
سيّدي ! لم تمت ولك جند مجنّدة ، سائرة نحو الهدف الذي كنت ترمي إليه ، و [ هو ] إقامة الحق والعدل في المجتمع . .
هامش
( 1 ) القمر : 55 .