وتولّت السيّدة فاطمة المهمّة مع السيّدة آمنة بنت الهدى ، فدهنت الأولى غرفة الضيوف ، وتكفلت الثانية بصبغ فناء الدار ، فقنعوا بذلك .
قالت السيّدة فاطمة لزوجها يوماً : « ابن عمّي ! أنت تعلم أنّني تربّيتُ في بلد يحبُّ أهله ألّا تخلو دورهم من الخضرة ، وللتشجير عندهم قيمة وأهميّة ، وكنت بنفسي أتعهّد بالرعاية والسقيا الزروعَ والأشجار التي كانت في بيت والدي في قم . . لكم أفتقد تلك الورود والأزهار والرياحين التي كنت أنمّيها وأحرسها وأحرص على سلامتها . حبّذا لو وفّرت لي بعض البذور أو الشتلات ، وآنية أستطيع أن أغرسها فيها » ، فوعدها بذلك .
وفي أقرب فرصة سنحت له ، جلب السيّد الصدر من بيت السيّد محمّد الصدر في بغداد بعض الشتلات الصغيرة والبذور . وجاء لزوجته بعدد من الصناديق الخشبية ممّا يستفيد منه المزارعون لتعبئة وتسويق بعض الفواكه والخضار . وتولّت هي تهيئة التربة وإعدادها وغرس تلك البذور فيها .
وتتذكّر السيّدة فاطمة أنّها وزّعت تلك الصناديق المزروعة في جوانب وزوايا الفناء ، وبذلك صار يعدّ بتلك الإمكانيات المتواضعة جُنينة صغيرة ، على قياسهم وقدر حالهم .
لقد أعجب السيّد الصدر بما قامت به زوجته ، واعتاد الجلوس هناك وقت العصر في غالب الأيّام ، وكان يستروِحُ الجلوس أمام تلك المزروعات والورود ، يتنسّم أريجها ويديم النظر إليها ، ويبدي إعجابه ، وراحته ، والثناء على هذا الصنيع ومبدعته . وكم كان يعجبه أن يأتي بكتبه وأدواته وأوراقه ، في تلك الباحة الصغيرة المورقة ، ليغرق في تأمّلاته ، ويمارس أعماله الفكريةّ الدائمة ، من تفكير وقراءة وكتابة وتحضير .
وتتذكّر السيّدة فاطمة أنّ السيّد الصدر في واحدة من تلك الأماسي جلس كعادته في تلك الزاوية ، وكانت قد أعدّت له إبريق الشاي بعناية فائقة ، فأحضرته أمامه ، وراحا يشربان الشاي أمام تلك المزروعات . .
هنا رفع السيّد الصدر استكان ( فنجان ) الشاي إلى فمه وتذوّقه ، ثمّ تنشّق بعمق في تلذّذ وهيام ، ثمّ قال وهو يحدّ إلى زوجته النظر : « يالَ الله ، إنّ هذا الشاي شربه حرام . . إنّه هنا كالمسكر ، وليس بشاي » .
وبعدما اشترى السيّد الصدر المبرّدة ( المكيِّف ) التي ذكرتها له زوجته فيما مضى ، وضعوها في نفس باحة الدار . ولأنّ الباحة كانت مفتوحة على السماء ، فمن الطبيعي أنّ هواء المبردّة بالتالي سوف يتسرّب أكثر إلى فوق ، بحيث لن يستفيدوا منه داخل الغرف الموزّعة على جوانب الباحة هذه . لهذا طلبت السيّدة فاطمة من السيّد الصدر أن يغطّيها بشراع كبير من القماش السميك ، بطريقة يسهل معها طيّه وبسطه ، ليحفظ البرودة من التسرّب . ولكنّ السيّد الصدر اعتذر عن ذلك بسبب غلاء قيمتها .
حينها طلبت منه زوجته أن يتكفّل لها بالقماش ، بأن يشتريه خاماً بالأمتار ، وهي تتتكفّل بالباقي ، حتّى تكون العمليّة أقلّ كلفة . وكانت في هذه الأيّام بالذات ولحسن الحظ قد تلقّت هديّة كأنّما
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 417
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٤١٧