تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
إنّها غير الدور التي أعرفها إلى الآن في العراق ، كلّ شيء فيها متميّز ، حتّى هواؤها . . . » . حتّى شراب الضيافة الذي بادؤوهم بتقديمه كان « شربت » ، أي من شراب البرتقال البارد ، ولم يكن من الشاي الساخن ! تلفتّت السيّدة فاطمة من حولها باحثةً عن مصدر الهواء البارد ، فوجدته ينبعث من فتحة صندوق أزرق كبير ! ولما سألت السيّدة آمنة عن هذه الآلة التي تنفخ هواءً بارداً أجابت : « إنّهم يسمّونها ( المبرِّدة ) » . أعجبت السيّدة فاطمة بذلك ، فإنّه شيءٌ تتعرّف عليه للمرّة الأولى في حياتها ، ثمّ سألتها : « هل عندكم من هذه الآلة في النجف ؟ » ، فأجابتها بالنفي ، فقالت في نفسها : « واويلاه ، إنّي أسمع أنّ النجف أكثر حرّاً وقيظاً وجفافاً من الكاظميّة ، فكيف سأتمكّن من العيش فيها والحال هذه ؟ » . وقفزت إلى ذهن السيّدة فاطمة فكرة ، سرعان ما عملت على تنفيذها بعد وصولها إلى النجف . إذ قالت لزوجها هناك فيما بعد : « ابن عمّي ! هذا مقدارٌ من المال من الهدايا التي اجتمعت عندي ممّا قدّم إليّ هديّةً في أيّام زواجنا الأولى ، خذها واشترِ لنا بها مبرِّدة كالتي في بيت ابن عمّنا في بغداد . وكذلك أحتاج خزانةً أجمع فيها أواني المطبخ ، وبعض اللوازم الأخرى ، التي رأيت البيت يفتقر إليها لضرورتها . وهذا مال يكفي لشرائها ، فاجلبها جميعاً لنا » « 1 » .

استقرار السيّد الصدر وزوجته في النجف الأشرف

بعد إقامة دامت عدّة أيّام في مدينة الكاظمية المقدّسة ، تحرّكوا متّجهين إلى النجف الأشرف . وعلى مشارف النجف أشار السيّد الصدر بيده إلى زوجته ، فطمحت بناظريها إلى حيث أشار ، وإذا بمنائر حرم أمير المؤمنين ( ع ) تلوح من بعيد . وكانت لأوّل مرّة في حياتها تطأ أرض جدّها الإمام علي ( ع ) ، فخفق قلبها ، وجاشت مشاعر الحبِّ والولاء في صدرها ، وندَّ من عينها رقراق دمع ساخن ، اشتياقا إلى أمير المؤمنين ( ع ) . حلّ الوافدون في البيت المستأجر - وهو بيت أبو گلل - الذي كان يقع في حيٍّ سكنيٍّ بعيدٍ نسبيّاً عن الحرم الشريف ، وهو محلّة العمارة . وكان البيت متواضعاً ولم يكن حديث البناء ، لكنّه لم يكن متهالكاً . وقد خصِّصت للسيّدة فاطمة منه الغرفة العلّية في طابقه العلوي . أمّا فناء البيت ، فقد كان ذا مساحة صغيرة وأجرد ، مفروشاً بالإسمنت . كان السيّد الصدر قد استأجر البيت بسبعين ديناراً عراقياً سنوياً « 2 » ، وكان يوفيها على أقساط ثلاثة ، حتّى لا يثقله دفعها في مرّة أو مرّتين من السنة . وقد حاول أن يستأجر داراً أخرى أفضل حالًا منها مجاملةً وإكراماً لهذه العروس القادمة من قم ، ولكنّ محاولاته في البحث عن بديل مناسب تعسّرت ، لارتفاع مبلغ الإجارة الذي عرض عليه حيثما ذهب . فقرّروا البقاء في هذه الدار مع القيام بطلاء جدرانها . وعندما اتّفق السيّد الصدر مع عامل دهان ليقوم بذلك العمل ، وشرع الدهّان في اليوم الأول ، اكتشفوا أنّ ذلك سيضيف على كاهل السيّد الصدر عبئاً ماديّاً ثقيلًا ، فاعتذر منه عن إتمام العمل ،
هامش
( 1 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 104 - 106 ( 2 ) كان الدينار يساوي يومها 4 دولارات تقريباً ، فكان الإيجار يقرب من 280 دلار سنويّاً .