مدير الأمن : لا ، ولكن لا حاجة لذلك . ومع ذلك فافعل ما تشاء .
فقام - رضوان الله عليه - وودّع أهله وأطفاله . وهذه هي المرّة الوحيدة التي أراه يودّعهم من بين الاعتقالات التي تعرّض لها .
ثمّ عاد والابتسامة تعلو وجهه ، فقال لمدير أمن النجف : هيّا بنا نذهب إلى بغداد .
وذهب السيّد الشهيد - رحمه الله - إلى بغداد لينال الشهادة ، ويفي لشعبه بوعده حينما خاطبه قائلًا :
( وأنا اعلن لكم يا أبنائي انّي صمّمت على الشهادة ، ولعلّ هذا آخر ما تسمعونه منّي ، وإنّ أبواب الجنّة قد فتحت لتستقبل قوافل الشهداء ، حتّى يكتب الله لكم النصر ، وما ألذّ الشهادة التي قال عنها رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلم - :
( ( إنها حسنة لا تضر معها سيئة ) ) ،
والشهيد بشهادته يغسل كلّ ذنوبه مهما بلغت . . ) « 1 » .
كانت أولى بوادر الشؤم أنّ السلطة قامت بسحب كافّة قوّاتها من الزقاق ، وذهبت الشهيدة بنت الهدى تستطلع الأمر فلم تجد أحداً منهم ، فعلمنا أنّ هذا الاعتقال نذير شؤم .
وذهبت الشهيدة - رضوان الله عليه - إلى غرفتها ، فأبدلت ملابسها بأخرى وربطت كمّي ثوبها على معصميها ظنّاً منها بأنّها ستسترها حين التعذيب ، وقالت لي : أترى أنّ هذا يسترني ؟ فقلت لها : سوف لا تتعرّضين للاعتقال إن شاء الله ، وجرى حديث آخر بيني وبينها لا أجد ضرورة لذكره .
وجاء الليل ، وأيّ ليلة كانت ، فلقد خيّم فيها الحزن على قلوب طاهرة ، عانت من العذاب والحرمان أكثر من تسعة أشهر لينفجر صباحها عن تطويق جديد
هامش
( 1 ) مضى ذلك ضمن البيان الثاني من البيانات الثلاثة التي أصدرها السيّد الشهيد - رحمه الله - قبل استشهاده .