ولذا ، نجد بعض المفكّرين المناهضين لهذه الفرضية ، يوجّهون نقداً ذا شقين في هذا المجال .
الأول : إذا كان التاريخ محكوماً للوضع الاقتصادي وللقوى المنتجة ، وكانت الأوضاع الاجتماعية خاضعة لقوانين حتمية تطورها من اقطاع الرأسمالية ثم إلى اشتراكية ، فلماذا يعمل الماركسيون جادّين في محاربة الرأسمالية .
ولماذا لا يتركون قوانين التاريخ تعمل وحدها لتحقق ما يريدون دون عناء ؟
الثاني : إن في أعماق كل إنسان ، دوافع حقيقية تحفّزه على الحركة ، ولا تمتُّ إلى الطابع الاقتصادي بصلة ، فكيف يمكن اعتبار العامل الاقتصادي المحرّك الوحيد للتاريخ . . . ؟
والحق ، ان هذين الإعتراضين ، يكشفان عن عدم استيعاب أصحابهما للمفهوم الماركسي للتاريخ ، أكثر من تعبيرهما عن خطأ نفس هذا المفهوم .
أما فيما يتعلق بالإيراد الأول ، فإن نشاط الماركسيين وجدّيتهم في محاربة الرأسمالية ، وعملهم الدؤوب في سبيل الوصول إلى التحول الاشتراكي ، ليست كلها في الحقيقة في منطق المادية التاريخية ، اموراً منفصلة عن القوانين الحتمية التي تصنع التاريخ ، وإنما هي تعبير عن جزء من العملية التاريخية التي تتحكم فيها تلك القوانين ، فالماركسيون حينما يمعنون مثلًا في تأجيج الفتن لتعميق التناقضات ومضاعفاتها ، ينفذون قوانين التاريخ . وبهذا يبدو الايراد المذكور غير ذي موضوع .
اقتصادنا ( تلخيص وتوضيح ) — صفحة 54
مساهمون: الشيخ محمد جعفر شمس الدين
ص٥٤