وقد نُسِبَ إلى ذيمقراطيسَ أنّ كينونَة العالَم بالاتّفاق . وذلك أنّ الأجسامَ مؤلّفةٌ مِن أجرامٍ صغارٍ صلبةٍ منبثَّةٍ في خلاءٍ غيرِ متناهٍ ، وهي متشاكلةُ الطبائعِ مختلفةُ الأشكالِ دائمةُ الحركة ، فاتّفقَ أن تصادفت منها جملةٌ اجتمعتْ على هيئةٍ خاصّة ، فكان هذا العالم ، ولكنّه زعمَ أنّ كينونَة الحيوانِ والنباتِ ليست باتّفاق .
ونُسِبَ إلى أنباذ قلسَ أن تكونَ الأجرامُ الأسطقسيّةُ بالاتّفاق ، فما اتّفقَ منها أن اجتمعت على نحوٍ صالح للبقاء والنسل بقي ، وما اتّفقَ أن لم يكنْ كذلك لم يبقَ وتلاشى .
وقد احتُجَّ على ذلك بعدّةِ حُجج :
الحجّة الأولى : أنّ الطبيعةَ لا رويّةَ لها ، فكيف تفعلُ فعلها لأجل غاية ؟
وأجيب عنها : بأنّ الرويّةَ لا تجعلُ الفعلَ ذا غاية ، وإنّما تُميِّزُ الفعلَ مِن غيره وتَعيِّنُه ، ثمّ الغايةُ تترتّبُ على الفعلِ لذاتِها لا بجعلِ جاعل ، فاختلافُ الدواعي والصوارفِ هو المحوجُ لإعمال الرويّةِ المعيّنة ، ولولا ذلك لم يحتجْ إليها ، كما أنّ الأفعالَ الصادرةَ عن الملكات كذلك ، فالمتكلّم بكلامٍ يأتي بالحرف بعد الحرف على هيئاتها المختلفةِ من غير رويّةٍ يتروّى بها ، ولو تروّى لتبلّدَ وانقطعَ عن الكلام . وكذا أربابُ الصناعات في صناعاتِهم لو تروّى في ضمن العملِ واحدٌ منهم لتبلّدَ
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 305
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٣٠٥