قال الشيخ في الشفاء : « الاتّفاق أعمّ من البخت في لغتنا هذه ، فإنّ كلّ بخت اتّفاق ، وليس كلّ اتّفاق بختاً . فكأنّهم لا يقولون بخت إلّا لما يؤدّي إلى شيء يعتدّ به ، ومبدؤه إرادة عن ذي اختيار من الناطقين البالغين . فإن قالوا لغير ذلك كما يقال للعود الذي يشقّ نصفه لمسجد ونصفه لكنيف ، إنّ نصفاً منه سعيد ونصفاً منه شقىّ ، فهو مجاز . وأمّا ما بدؤه طبيعيّ فلا يقال إنّه كائن بالبخت ، بل عسى أن يخصّ باسم الكائن من تلقاء نفسه ، إلّا إذا قيس إلى مبدأ آخر إراديّ ، فإنّ الأمور الاتّفاقية تجري على مصادمات تحصل بين شيئين أو أشياء ، وكلّ مصادمة فإمّا أن يكون فيها كلا المتصادمين متحرّكين إلى أن يتصادما ، أو يكون أحدهما ساكناً والآخر متحرّكاً إليه ، فإنّه إذا سكن كلاهما على حال غير التصادم الذي كانا عليها لم ينتج ما بينهما تصادم . وإذا كان كذلك فجائز أن تتّفق حركتان من مبدئين ، أحدهما طبيعيّ والآخر إراديّ يتصادمان عند غاية واحدة تكون بالقياس إلى الإراديّ خيراً يعتدّ به أو شراً يعتدّ به ، فيكون حينئذٍ بختاً له لا محالة ، ولا يكون بالقياس إلى حركة الطبيعي بختاً » « 1 » .
وفرّق الشيخ بين رداءة البخت وسوء التدبير ، حيث قال : « فرق بين رداءة البخت وسوء التدبير ، فإنّ سوء التدبير هو اختيار سبب في أكثر الأمور يؤدّي إلى غاية مذمومة ، ورداءة البخت هي أن يكون السبب في أكثر الأمر غير مؤدٍّ إلى غاية مذمومة ، ولكن يكون عند متولّيها السيّئ البخت يؤدّى إليها .
والشيء الميمون هو الذي تكرّر حصول أسباب مسعدة بالبخت عند حصوله ، والشيء المشؤم هو الذي تكرّر حصول أسباب مشقية بالبخت عند حصوله ، فيستشعر من حصول الأوّل عود ما اعتيد تكرّره من الخير ، ومن
هامش
( 1 ) الشفاء ( الطبيعيّات ) : ج 1 ص 66 .