الظاهرُ في المغايرة بينَ المتوقِّفِ والمتوقَّف عليه ، قولَنا : « إنّ غايةَ الذاتِ الواجبةِ هي عينُ الذات المتعالية » . فالمرادُ بالتوقّفِ والاقتضاءِ في هذا المقامِ المعنى الأعمُّ الذي هو عدمُ الانفكاك . فهو - كما أشار إليه صدرُ المتألّهين - من المسامحاتِ الكلاميّةِ التي يُعتَمدُ فيها على فهمِ المتدرّبِ في العلوم ، كقولهم في تفسير الواجبِ بالذات : « إنّه الأمرُ الذي يقتضي لذاته الوجود . وإنّه موجودٌ واجبٌ لذاته » الظاهرِ في كونِ الذاتِ علّةً لوجودهِ ووجودِه عينه .
وبالجملة : فعلمُه ( تعالى ) في ذاته بنظام الخيرِ غايةٌ لفاعليّته التي هي عينُ الذات ، بل الإمعانُ في البحث يعطي أنّه ( تعالى ) غايةَ الغايات . فقد عرفتَ أنّ وجودَ كلِّ معلولٍ - بما أنّه معلولٌ - رابطٌ بالنسبة إلى علّته لا يستقلُّ دونها . ومن المعلوم أنّ التوقّفَ لا يتمُّ معناه دون أن يتعلّقَ بمتوقَّفٍ عليه لنفسه ، وإلّا لتسلسل . وكذا الطلبُ والقصدُ والإرادةُ والتوجّهُ وأمثالُها لا تتحقّقُ بمعناها إلّا بالانتهاء إلى مطلوبٍ لنفسه ومقصودٍ لنفسه ومرادٍ لنفسه ومتوجّهٍ إليه لنفسه . وإذ كان ( تعالى ) هو العلّةَ الأولى التي إليها ينتهي وجودُ ما سواه ، فهو استقلالُ كلِّ مستقِلٍّ وعمادُ كلِّ معتمد ، فلا يطلبُ طالبٌ ولا يريدُ مريدٌ إلّا إيّاه ، ولا يتوجّهُ متوجّهٌ إلّا إليه بلا واسطةٍ أو معها ، فهو ( تعالى ) غايةُ كلِّ ذي غاية .
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 218
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٢١٨