وقد اتّضح بهذا البيان : فساد قول من قال : ( إنّ الإمكان من الاعتبارات العقليّة المحضة ، التي لا صورة لها في خارج ، ولا ذهن ) ؛ وذلك لظهور أنّ ضرورة وجود الموجود أمر ، وعاؤه الخارج ، وله آثار خارجيّة وجودية » « 1 » .
وأمّا الحالتين الأوليين ، فإنّ الوجود الرابط متحقّق فيهما ، فإذا كان موطن الموضوع والمحمول هو الذهن ، فيكون الذهن موطن تحقّق الرابط أيضاً ، وكذلك إذا كان موطن تحقّق الموضوع والمحمول هو الخارج ، فيكون موطن تحقّق الرابط هو الخارج أيضاً .
الدليل الثالث
وهو على أساس الطريقة البحث الفلسفي ، وحاصله : أنّه بناء على قبول أصل العلّية - على أساس أصالة الوجود والإمكان الفقري - تكون الرابطة بين العلّة والمعلول رابطة وجودية ، كما تقدّم في الشرح .
إشكال
بناء على أنّ ثبوت شيء بغير نفسه متفرّع على ثبوته في نفسه ، فلو كان الوجود رابطاً في الهليّات المركّبة ، يلزم أن يكون للوجود الرابط ثبوت في نفسه ، وثبوته للموضوع لابدّ له من ثبوت آخر ، وهكذا إلى غير نهاية ، وهذا ما أشار إليه صدر المتألّهين بقوله : « ربّما يتشكّك بأنّه إذا كان الوجود رابطاً في الهليّات المركّبة فيلزم للمحمول وجود ؛ إذ الوجود للغير لا يعقل بدون الوجود في نفسه ، ثمّ إنّ ثبوته للموضوع ثابت أيضاً للموضوع ، فيكون له أيضاً ثبوت ثابت هو أيضاً للموضوع ، وهكذا إلى غير النهاية » « 2 » .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة : ص 59 ، المرحلة الرابعة ، الفصل الأوّل .
( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 1 ، ص 327 - 328 .