تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ما لا يشتهيه كشرب دواء كريه ينفعه ، وقد يشتهي ما لا يريده كأكل طعام لذيذ يضرّه » [ 1 ] انتهى . وبمثل البيان يظهر أنّ الإرادة غير الشوق المؤكّد [ 2 ] الّذي عرّفها به بعضهم [ 3 ] . وملخّص القول - الّذي يظهر به أمر الإرادة الّتي يتوقّف عليها فعل الفاعل المختار - هو : أنّ مقتضى الأصول العقليّة أنّ كلّ نوع من الأنواع الجوهريّة مبدأ فاعليّ للأفعال الّتي ينسب إليه صدورها ، وهي كمالات ثانية للنوع . فالنفس الإنسانيّة - الّتي هي صورة جوهريّة مجرّدة متعلّقة الفعل بالمادّة - علّة فاعليّة للأفعال الصادرة عن الإنسان ، لكنّها مبدأ علميّ لا يصدر عنها إلّا ما ميّزته من كمالاتها الثانية من غيره ، ولذا تحتاج قبل الفعل إلى تصوّر الفعل والتصديق بكونه كمالا لها ، فإن كان التصديق ضروريّا أو ملكة راسخة قضت بكون الفعل كمالا ولم تأخذ بالتروّي ، كالمتكلّم الّذي يتلفّظ بالحرف بعد الحرف من غير تروّ ، ولو تروّى في بعضها لتبلّد [ 4 ] وتلكّأ [ 5 ] وانقطع عن الكلام ، وإن لم يكن ضروريّا مقضيّا به توسّلت إلى التروّي والفحص عن المرجّحات ، فإن ظفرت بما يقضي بكون الفعل كمالا قضت به . ثمّ يتبع هذه الصورة العلميّة - على ما قيل - الشوق
هامش
- كريه ، وقد يشتهي ما لا يريده كأكل طعام لذيذ يضرّه ، وقد يريد ما يشتهيه كأكل طعام لذيذ لا يضرّه . وكذا الحال بين مقابليهما . ( 1 ) راجع الأسفار 4 : 113 . وهذا بعينه ما قال التفتازانيّ في شرح المقاصد 1 : 236 . ( 2 ) والمغايرة بينهما - على ما صرّح به المصنّف رحمه اللّه في تعليقته على الكفاية : 77 - من وجهين : الأوّل : أنّ الإرادة لا تتعلّق إلّا بالأفعال الاختياريّة ، والشوق يتعلّق بالأعيان كما يتعلّق بالأفعال الاختياريّة . الثاني : قد يشتاق الإنسان إلى شيء ولا يريده ، وذلك في الفعل الملائم للطبع المعلوم استحالته ، فالإنسان يشتاق إليه ولكن لا يريده بعد علمه باستحالته . ( 3 ) هكذا عرّفها الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة : 184 ، حيث قال : « إنّ الإرادة فينا شوق مؤكّد يحصل عقيب داع » . وقال في تعليقته على الأسفار 6 : 323 الرقم 1 : « وذلك لأنّ الإرادة فينا هي الشوق الأكيد الشديد الموافي للمراد » . ونسبه صدر المتألّهين إلى الأوّلين في الأسفار 4 : 114 . ( 4 ) تبلّد : تردّد متحيّرا . ( 5 ) تلكّأ : أبطأ وتوقّف .