ويظهر من هنا انّ حقيقة كلّ كمال ، هو المطلق المرسل الدائم منه ، وانّ قرب كلّ كمال من حقيقته بمقدار ظهور حقيقته فيه ، أي اقترانها بالقيود والحدود . فكلّ ما ازدادت القيود ، قلّ الظهور وبالعكس .
ويظهر من هنا أنّ الحق - سبحانه - هو الحقيقة الأخيرة لكلّ كمال . حيث انّ له صرف كلّ كمال وجمال ، وانّ قرب كلّ موجود منه على قدر قيوده العدمية وحدوده .
ويظهر من ذلك أنّ وصول كلّ موجود إلى كماله الحقيقي مستلزم لفنائه ، حيث أنّه مستلزم لفناء قيوده وحدوده في ذاته أو في عوارضه فقط ، وبالعكس فناء كلّ موجود مستلزم لبقاء حقيقته في مورده فقط . قال تعالى :
« كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ »
« 1 » .
فالكمال الحقيقي لكلّ موجود ممكن ، هو الذي يفنى عنده .
فالكمال الحقيقي للانسان أيضا هو الذي يصير عند كماله الانساني مطلقا مرسلا ويفنى عنده الانسان لا كمال له غير ذلك البتة .
وقد مر في البرهان السابق انّ شهود الانسان لذاته الذي هو عين ذاته ، شهود منه لجميع حقائقه ولحقيقته الأخيرة ، وحيث انّه فان عند ذلك فالانسان شاهد في عين فنائه .
وإن شئت قلت انّ حقيقته هي الشاهدة لنفسها ، والانسان فان ؛ هذا !
فالكمال الحقيقي للانسان وصوله إلى كماله الحقيقي ذاتا وعوارض ؛ أي وصوله إلى كماله الأخير ذاتا ووصفا وفعلا ، أي فنائه ذاتا ووصفا وفعلا في الحقّ - سبحانه - ؛ وهو التوحيد الذاتي والإسمى
و
هامش
( 1 ) الرحمن / 26 - 27 .