القضاء مخيّراً أيضاً بين القصر والإتمام .
وأمّا إذا قلنا بوجوب الجمع أداءً بمقتضى أصالة الاشتغال العقليّة ، فلا شكَّ أنَّ هذا أمرٌ ثانويٌّ احتياطيٌّ وليس حكماً ثابتاً في الشريعة ابتداءً ، وحينئذٍ يتعيّن تبعيّة القضاء للأمر المأخوذ بالعنوان الأوّلي في الشريعة ، وهو إمّا الأمر الثابت بالإطلاق لِمَا بعد تبدّل حال المكلّف ، أو الأمر الثابت بالإطلاق لِمَا قبل التبدّل ، طبقاً للتقريبين اللذين ذكرناهما في التخيير وناقشناهما ، إلّا أنَّهما يتمّان هنا ؛ لكون عنوان الاحتياط عنواناً ثانويّاً ، ثابتاً في طوله الشكّ في الواقع ووجوب إحرازه على كلِّ حال .
ونحن بعد أن فهمنا أخذ عنوان المسافر والحاضر في إطلاقات وجوب القصر وإطلاقات وجوب التمام ، لم يمكن أن يكون الإطلاق الشامل للمكلّف قبل تبدّل حاله شاملًا له بعد ذلك ؛ لاختلاف الموضوع . وحيث إنَّ المدار هو التبعيّة في آخر الوقت كما قلنا ، فلا يمكن أن يكون ذاك الإطلاق مداراً لها . وإنَّما يكون المدار هو الإطلاق المسانخ في موضوعه لحال المكلّف في آخر الوقت ، فيكون القضاء تابعاً له بمقتضى القواعد التي عرفناها ، فإن كان المكلّف حاضراً في آخر الوقت وجب عليه القضاء تماماً ، وإن كان مسافراً وجب عليه القصر .
لا يُقال : إنَّه مع شمول الإطلاق للمكلّف في آخر الوقت لا تصل النوبة إلى الأُصول العمليّة فضلًا عن الأُصول العقليّة .
فإنَّه يُقال : نحن لم نقل بشمولها له أصلًا ، فإنَّه خلف الفرض من وصول النوبة إلى قاعدة الاشتغال ، وإنَّما المراد تبعيّة القضاء لسنخ الحكم الثابت في آخر الوقت ، لا لشخصه ، والتبعيّة بهذا المقدار كافيةٌ لتشخيص
مدارك الآراء في إعتبار حال الوجوب أو حال الأداء — صفحة 228
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٢٨