وليس بشيء ؛ ضرورة أنَّ الرواية لو صحّت ، لم تتعرّض إلى منشأ النهي عن النشيش ، فكأنَّها فرضته أمراً مفروغاً عنه ومرتكزاً في ذهن السائل ، فلم يكن من الإمام عليه السلام إلَّا أن أرشده إلى التخلّص منه ، على أنَّ تفسير محذور النشيش بحرمة المغليّ بنفسه مطلقاً غير تامٍّ ؛ لوجود احتمالات أُخرى ، وتطرّق الاحتمال مبطل للاستدلال .
توضيح ذلك : أمّا على القول بثبوت النجاسة لكلّ مسكر ، وعدم اختصاصها بالخمر ، كما هو مبنى المشهور وشيخ الشريعة قدس سره : فمن الواضح حينئذٍ أنَّ نشيش العصير موجبٌ لنجاسته ، سواء كان عنبيّاً أم زبيبيّاً أم تمريّاً ؛ بداهة أنَّ النشيش موجب للإسكار ، والفرض نجاسة كلّ مسكر . ولا يلزم ارتفاع النجاسة حتّى مع الالتزام برافعيّة ذهاب الثلثين له ، نظير ما تقدّم في رواية عمّار : أنَّه تصيب يدَه وثوبَه قطرات من المطبوخ أثناء طبخه ، فلم يستشكل أحدٌ في عدم طهارة ثوبه ويده حتّى مع الالتزام بطهارة القدر بالتبعيّة بعد ذهاب الثلثين . وهذا أمر قابل للمعالجة من قبل الإمام عليه السلام ، فيكون جواباً إلزاميّاً واضحاً على مبناهم .
وأمّا على مبنانا من اختصاص النجاسة بالخمر - أي : العصير العنبي - دون غيره من المسكرات ، فلا وجه لتصوّر هذا المحذور ؛ إذ لا يكون فيه حينئذٍ إلَّا حرمة الشراب ، والمفروض أنَّه لم يشربه إلَّا بعد ذهاب ثلثيه .
نعم ، يقع فيه محذور من جهة أنَّ العصير المسكر المغليّ بنفسه لا ترتفع حرمته بذهاب ثلثيه ، بل بزوال إسكاره ، ولو شُكّ في زواله - كما هو الغالب - استصحب ؛ ذلك لأنَّ معرفة زوال الإسكار ليست أمراً يسيراً سهلًا ، بل فيها حرج ، إذ تحتاج إلى إجراء اختبار وتحليل . فيكون للنهي عن النشيش احتمال
كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 330
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٣٠