الأمر بالإراقة لا محالة يكون إرشاداً إلى وجود النجاسة ؛ وذلك لأنَّه لو كان محذور الخمر منحصراً بالحرمة ، لكان هذا المحذور يرتفع بالاستهلاك ، الذي هو مفروض السؤال في الرواية ، وحيث إنَّ الإمام عليه السلام مع ذلك أمر بالإراقة ، فلابدَّ إذن من افتراض محذورٍ آخر له لا يرتفع بالاستهلاك ، ولا يُتصوّر بحسب ارتكاز المتشرّعة محذور آخر كذلك إلَّا النجاسة ، فيكون الأمر بالإراقة إرشاداً إلى وجودها ، وهو المطلوب « 1 » .
إلَّا أنَّ هذا قابل للخدشة ؛ لأنَّ ارتكاز المتشرّعة كما لا يأبى أن يكون احتمال نجاسة الخمر هو المنشأ لسؤال الراوي ، فهو كذلك لا يأبى عن أن يكون المنشأ له احتمالًا آخر ، وهو احتمال أنَّ الخمر باعتبار شدّة حرمته فإنَّ استهلاكه لا يُفيد في رفع محذوره وحرمته ، بل إنَّ هذا الاحتمال ممّا يقرب خطوره في ذهن المتشرّعة بعد ورود كلّ تلك التشديدات الشرعيّة الكثيرة ضدّ الخمر ، وعليه : فكما يمكن أن يكون حكمه عليه السلام بالإراقة مستنداً إلى نجاسة الخمر ، فكذلك يمكن أن يكون باعتبار الحرمة الشديدة التي لا يمنع عنها الاستهلاك .
وقد يكون ممّا يؤيّد ذلك ، قوله عليه السلام بعد ذلك :
« الدم تأكله النّار إن شاء الله »
؛ فإنَّ الظاهر من ذلك أنَّ النظر إنَّما هو إلى حرمة الشرب ، لا إلى النجاسة ؛ إذ لو كان النظر إلى النجاسة ، فإنَّ استهلاك الدم في الملاقي بمجرّده لا يكون موجباً لطهارته ، كما لا يخفى .
وأمّا الحكم الثاني - وهو حكم اللّحم كما ذكرنا - : فيمكن القول بأنَّ قوله عليه السلام :
« واللّحم اغسله وكلْه »
فيه دلالة أقوى من الفقرة الأُولى ، بأحد
هامش
( 1 ) لاحظ : لوامع الأحكام في فقه شريعة الإسلام 1 : 127 ، كتاب الطهارة ، باب النجاسات .