وأمّا البيع فلا يمكن إثبات المعاهدة لا في السوق العقلائي ولا في المعاملة بين الدولتين ، بل يُقال : ( بعت هذا بإزاء ذاك ) . نعم ، بعد العقد يلزم مراعاة عهدة التسليم . والبيع مبادلة مالٍ بمالٍ أو تبديل عينٍ بعوضٍ ، وهو شيءٌ والمعاهدة شيءٌ آخر . وليس هاهنا التزامٌ قلبي ، بل هو مبادلةٌ بين مال زيدٍ ومال بكرٍ ، والتعهّد من آثار المعاملة ، أعني : تعهّد الأداء ، وهو غير مأخوذٍ في مفهوم المعاملة .
وأمّا قوله تعالى : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) فلم يتعرّض إلّا للوازم المعاملة لا لذاتها ، أعني : التعهّد بوجوب التسليم ، والعقلاء يقومون بمبادلة مالٍ بمالٍ ، مع الغفلة عن سائر التعهّدات والالتزامات القلبيّة والإرادات ونحوها .
ولو سلّمنا لُوحظ أنَّ ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) هل هو حكمٌ إرشادي ، أم حكمٌ تكليفي زائدٌ على وجوب التسليم والتسلّم ؟ إذ قد لا يرى العقلاء وجوب التسليم والتسلّم ، ويريد الشارع بيان هذه الجهة نفسها ، كما قد يريد أن يبيّن حكماً زائداً على ذلك بعنوان وجوب الوفاء ، فلو لم يسلّم لخالف مرّتين : تارةً
على عدم التسليم وأُخرى على عدم الوفاء « 1 » . ويأتي الكلام نفسه في الغصب ؛ إذ يُقال : إنَّ حرمته : إمّا عقلائيّةٌ أو تكليفيّةٌ تعبّديّةٌ زائدةٌ على ذلك . فهل مراد الآية ذلك ، أم إنَّ الغرض في الحقيقة بيان الحكم الإرشادي وتقرير حكم العقلاء في وجوب التسليم والتسلّم ؛ لنفهم منها أنَّ المعاملة صحيحةٌ ، كما هي عند العقلاء تامّةٌ ؟
ولو فرضنا أنَّ لها معنىً زائداً ، فهل يلزم أن نحمل عليها نحو : ( تِجَارَةً
هامش
( 1 ) وإن كان مصداقهما واحداً ( المقرّر ) .