تحقيق حول الماليّة
ثمّ إنّ العوض هل يلزم أن يكون مالًا في نظر سائر العقلاء ، بمعنى : أن يُبذل بإزائه مال من العقلاء طرّاً ، أو يكفي أن يبذل بإزائه المال صنفٌ خاصٌّ منهم ؛ لعدم دخله في أغراض غيرهم ، فلا يبذلون مالًا بإزائه ؟ والوجه فيه : أنّه مالٌ حقيقةً ، فله حكم ما لو بذل بإزائه مالًا سائر العقلاء ؛ لأنّ الغرض العقلائي قد يتعلّق بشرائه لا لآثاره بل لغرضِ آخر ، كما لو عامله بأن يشتري كلّ عقرب بكذا لا لأجل الانتفاع بل لأجل أن يدفع عن نفسه الضرر ، وهذا غرض بذل بإزائه المال ، فيقال معه : إنّ بذل شخصٌ مالًا بإزاء أغراضه الخاصّة ، كفى ذلك في حصول الماليّة ( « 1 » ) .
ثمّ إنّه قد تقدّم : أنّ ماليّة الشيء باعتبار آثاره وتعلّق الغرض العقلائي بها ، فيُبذل بإزائها المال ، ولذا فلو انتهى إلى ما هو مطلوبٌ بالذات بواسطةٍ أو وسائط ، استحقّ أن يُبذل في قبالها المال .
وهل يمكن القول بسعة نطاق الماليّة وحدودها ، فتشمل ما لو تعلّق غرضٌ عقلائيٌ بشراء شيءٍ لا لأجل ما يترتّب عليه من آثارٍ مطلوبةٍ ، كما تقدّم في مثال العقارب ؛ إذ ليس الغرض منها الانتفاع ، بل المراد دفع الأذى عن نفسه ، فشراؤها إنّما هو لأجل إتلافها وإعدامها ؟
وبالجملة فهل يُعتبر في العقد والبيع نحوٌ خاصٌّ من أنحاء الانتفاع ، أو
هامش
( 1 ) هذا غير صحيح لا محالة ؛ إذ ما لم يكن لشيءٍ ماليّةٌ في نظر العقلاء في المرتبة السابقة ، فلا يرى العقلاء أنّ بذل المال بإزائه حقٌّ ، بل يكون أكله أكلًا للمال بالباطل ، وإن كان الحاجة إليه شديدةً ، وإلّا لزم ارتفاع القيمة بازدياد الرغبة الشخصيّة فيه ، وهذا خلاف الوجدان ، فالصحيح أنّها ترتفع بازدياد الحاجة النوعيّة ( المقرّر ) .