وعلى هذا الضوء فالإباحة وإن لم تكن بمعنى إنشاء الإباحة من قبل المتعاقدين ، إلّا أنّه يمكن أن يُستفاد من الآية معنى آخر لها ، وهو وجوب الوفاء بالعقد دون إفادة الملك ، فهو عقدٌ غير مملّك ، ومفاده عدم المنع من التصرّفات ، وذلك من التفكيك في الآثار .
والتقريب الآخر أن يُقال : إنّ غاية ما يمكن للشارع المقدّس أن يتدخّل ويتصرّف فيه هو ما يرتبط بعالم التشريع ، بخلاف التصرّفات العقلائية ؛ فإنّها ليست من شؤونه . فالمعاملة الفاسدة كبيع الخمر لا يُعقل أن يقول الشارع فيها : إنّها ليست بيعاً أو إنّ البيع فيها غير مملّكٍ عند العقلاء . نعم ، له أن يقول : لا ملكيّة في المقام ، فمن التزم بأحكام الشارع لم يرتّب عليه آثار الملكيّة ، وإن لم يدرك ذلك عقلًا أو عقلائيّاً .
فنقول : ليس من حقّ الشارع التصرّف بالقول مثلًا : إنّ كذا وكذا ليس عقداً أو إنّ كذا وكذا ليس مملّكاً لدى العقلاء ، بل له التصرّف بأن يقول : إنّ كذا وكذا غير مملّكٍ عندي ولا يترتّب عليه آثار الملكيّة ، فيسلب الملكيّة عنه شرعاً ، وإن لم يكن سلباً عقلائيّاً لها . وإذ تقرّر أنّ بيع المعاطاة بيعٌ عقلائي مؤثّرٌ في الملك ونحوه عند العرف ، أمكن للشارع أن يتصرّف بهذا المقدار ، أي : بأن يسلب الملكيّة عن المقبوض بالمعاطاة ، وأمّا سائر الآثار العقلائيّة فهي باقية على حالها ؛ لعدم إلغاء الشارع آثار الملكيّة ؛ لأنّه إنّما قال : كذا وكذا ليس بمملّكٍ ، إلّا أنّ له التصرّف مطلقاً ، وإن كان ذلك التشريع محلّ تأمّل ، مع بقاء سائر التصرّفات العقلائيّة على حالها . ومعه تشمله أدلّة وجوب الوفاء بالعقد والتجارة عن تراضٍ ؛ لأنّه عقدٌ عقلائي ، إلّا أن يصرّح الشارع - بحسب مولويّته - بأنّ كذا وكذا ليس عقداً ( « 1 » ) ، فيخرج تعبّداً عن وجوب
هامش
( 1 ) أي : كذا وكذا ليس عقداً عندي لا عند العقلاء ( المقرّر ) .