أن الغواية ضد الهداية . ومن يتبعه الغاوي فهو أولى بالغواية وأشد فيها . وحيث أن ( وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) .
إذن ، فالشعراء أشد من الغاوين في غوايتهم . وليس لهم صفة تكون سبباً لذلك إلّا كونهم شعراء . إذ لو كانت صفة أخرى هي السبب لذكرها ، مع أن هذه هي الصفة الوحيدة المذكورة .
وهذا أهم استدلال بالآية الكريمة على ذمّ الشعر وكراهته . ولكن يمكن المناقشة فيه من عدة وجوه نذكر أهمها :
الوجه الأول : أن موضوع الذم في الآية هم الشعراء . فإن كان المراد منهم من ينظم الشعر ، تمّ الاستدلال من هذه الناحية . ولكننا عرفنا قبل قليل : إن الاستعمال الغالب للفظ الشاعر والشعراء ، وإن كان كذلك ، إلّا أن الواقع أن الشعر ما يرجع إلى العواطف النفسية والخلجات القلبية ، سواء كان الكلام منظوماً أم منثوراً . ولا ربط له بالنظم ربطاً حقيقياً . إذن ، فيختص موضوع الآية بمن يكثر شعوره النفسي لا من يكثر نظمه للشعر .
فإن قيل : إن أغلب الشعر مليء بالشعور النفسي ، فيكون مصداقاً من الآية ومشمولًا للذم . قلنا : كلّا ؛ لأن العمدة في هذا الجواب أن النظم بما هو نظم ليس هو موضوع الآية بل الشعور النفسي سواء كان منظوماً أم منثوراً ، بل حتى لو كان داخل النفس ولم يبينه صاحبه بأي كلام ، وهذا معنى غير معنى الشعر المتعارف .
فإن قيل : إن الأحاسيس النفسية والخلجات القلبية ليست كلها مذمومة بل فيها ما هو حقّ وصحيح . فلماذا تكون مذمومة في الآية ؟
الأنظار التفسيرية — صفحة 524
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٢٤