المعصوم الذي برهنا على وجوده . وذلك انطلاقا من أحد مستويين .
المستوى الأول : لنتذكر ما قلناه من ( الصبغة العامة ) للمجتمع . فلئن فرضنا - جدلا - أن التربية المركزة والمستمرة في الدولة العالمية عاجزة عن صهر كل الأفراد في العالم في بوتقة الحق والعدل . فلا أقل من إنجازها ذلك بالنسبة إلى غالب الناس بحيث يبقى أفراد أو مجتمعات قليلة غير ملفتة للنظر ، تحتوي على الفكر والانحراف والعداوات .
ومع افتراض دلالة هاتين الآيتين على بقاء اليهود والنصارى إلى يوم القيامة ، بعد التنزل عن الوجهين السابقين . . . لا بد من الالتزام ببقائهم على نطاق ضيق جدا ، لا ينافي وجود الصبغة العامة في البشر إلى جانب الحق والعدل . . . وبالتالي إلى جانب الاتصاف بالعصمة .
المستوى الثاني : انه يمكن أن نطرح ( أطروحة ) محتملة موافقة لبعض ظواهر الكتاب والسنة ، وإن كانت مخالفة لظواهر أخرى على ما سنرى .
ومضمونها : عدم المنافاة بين وجود اليهود والنصارى بالخصوص « 1 » وبين وجود المجتمع المعصوم ، بمعنى أنهم يكونون معصومين مع التزامهم بأديانهم أنفسها كما أن المسلمين سيصبحون معصومين بصفتهم مسلمين .
ويدل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ . . .
« 2 » .
وقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ
. . .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
. . .
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 3 » .
وقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ، مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) أعني أن هذه الأطروحة تخصهم ، ولا تشمل سواهم .
( 2 ) المائدة : / 68 .
( 3 ) المائدة : / 44 و 47 .
( 4 ) المائدة : / 66 .