إذن ، فأحكام التوراة والإنجيل المنزلة من قبل اللّه تعالى ، تتصف بما تتصف به الأطروحة العادلة الكاملة ، من صفة العدل ، وصفة عدم جواز التخلف عن تطبيقها إلى الآن ، واعتبار ذلك كفرا وفسقا . . . وصفة أنها منتجة للرفاه الاجتماعي العام
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
« 1 » .
وقد نشأ ضلال اليهود والنصارى ، لا باعتبار اتصافهم بهذين الاسمين أو من اتّباعهم للنبيين موسى وعيسى عليهما السلام . وإنما نشأ ضلالهم من أمرين مقترنين :
الأمر الأول : عدم إيمانهم بصدق نبي الاسلام ( ص ) الأمر الذي أقام عليه القرآن كل حجة واضحة . . .
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
« 2 » .
الأمر الثاني : عدم تطبيقهم لأحكام أديانهم الواقعية ، وإنما حرّفوها وعصوها .
يا أَهْلَ الْكِتابِ ، لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
« 3 » .
فهم - بحسب منطوق الأطروحة - مكلفون بالايمان بصدق رسول الاسلام ( ص ) عقائديا إلى جنب صدق أنبيائهم . وأما من الناحية السلوكية أو القانونية ، فهم يمكنهم أن يطبقوا أحكام أنبيائهم ، والمراد بها الأحكام الواقعية المنزلة عليهم من ربهم ، لا الأحكام المحرفة المعترف بها لديهم عادة ومن طبق هذين الأمرين فهو على حق ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 4 » .
وبدون ذلك ، فإنهم من أشد الناس فسادا . . .
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
« 5 » . . . .
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ . تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ
« 6 » .
وعندئذ يكون حراما على المسلمين مصادقتهم وموالاتهم :
هامش
( 1 ) نفس السورة والآية .
( 2 ) المائدة : / 68 .
( 3 ) نفس السورة والآية .
( 4 ) المائدة : / 96 .
( 5 ) المائدة : / 41 .
( 6 ) المائدة : / 80 .